حالمون… لا لأننا بخير، بل لأننا نُجيد النجاة
“ليست الأحلام دائمًا هروبًا، بل أحيانًا آخر ما يتبقّى لنا كي لا ننهار.”
في التجارب العميقة،
لا يُقاس الإنسان بما مرّ به،
بل بما بقي فيه بعد كل ما مرّ.
وهذا النص لا يتحدّث عن الحلم بوصفه ترفًا شعوريًا،
بل بوصفه ضرورة داخلية،
يخلقها القلب حين يعجز الواقع
عن أن يكون كافيًا.
حالمون…
بقدرِ ما فينا من أوجاعٍ لا تُقال،
نُخبّئها خلف هدوءٍ متماسك،
كأننا نُجيد ترتيب الفوضى
دون أن نُعلن انهيارها.
ومسامحون…
لا لأن الألم كان خفيفًا،
بل لأننا أدركنا—متأخرين—
أن الحقد لا يُصلح ما انكسر،
وأن التسامح
ليس تنازلًا عن الحق،
بل ارتقاءٌ عن إعادة الألم
بصورةٍ أخرى.
نُسامح…
لا لنُبرّئ أحدًا،
بل لنُبقي قلوبنا صالحةً للحياة،
ولتدوم المحبة
رغم كل ما كان.
فمن يعبرنا بعمق،
لا يشعر بنا كما ينبغي،
إلا من سار يومًا
على ذات الأثر،
من عرف أن بعض الخطوات
لا تُمحى،
وأن الذاكرة،
حين تتعلّم الألم،
لا تنساه…
بل تُعيد قراءته بصمت.
ونبضي…
لم يعد كما كان،
أصابهُ عطبٌ خفي،
كعودِ ثقابٍ احترق كاملًا
ليُضيء لحظةً لغيره،
ثم يُترك
رمادًا لا يُلتفت إليه.
كأنني لوحةٌ لفنانٍ
نسي ملامحها في منتصف الدهشة،
تملؤها احتمالات اللون،
لكنها تفتقد
اللمسة التي تُنهي ارتباكها،
فتبقى…
بين أن تكون،
وبين أن تظلّ فكرةً مؤجّلة.
أنا الحالم…
لكن ليس كما يبدو،
بل كمن اتخذ من الحلم
وسيلةً ليُعيد ترتيب نفسه،
على متنِ سحابٍ هشّ،
يحمل ما تبقّى من رجائه،
ويُراقصه بعزفٍ داخلي،
علّ السماء—مرةً واحدة—
تستجيب.
لكنها…
تؤجّل أكثر مما تمنح،
وتمضي الأيام
كما لو أنها تُتقن إبقاءنا
بين وعدٍ لا يكتمل،
وشعورٍ لا يُغلق.
ومع ذلك…
لا نسقط،
بل نتعلّم—بطريقتنا—
كيف نقف من الداخل،
كيف نحمل ما لا يُحتمل
دون أن نطلب تفسيرًا.
وهنا يتبدّل المعنى…
فلا يعود الحلم انتظارًا،
بل يصبح شكلًا من أشكال الفهم،
ولا يعود الألم عبئًا،
بل دليلًا
على أننا شعرنا بصدق.
لهذا…
إن رأيتمونا نحلم،
فلا تظنّوا أننا نجهل الواقع،
بل لأننا عرفناه أكثر مما ينبغي،
وحين عرفناه…
اخترنا ألا ننهار.
نحلم…
لا لأن الحياة كانت رحيمة،
بل لأننا—رغم كل شيء—
ما زلنا نُجيد
أن نحمل قلوبنا…
دون أن نتخلّى عنها.
✍️ حسين عبد الله الراشد
محاضر وباحث في الوعي النفسي والإنساني