"غرف السراب"
في عالمٍ تتشابك فيه الظلالُ مع النور،
وتتماوجُ فيه الرغباتُ مع الخيبات،
يعيش الإنسان بين خوفِ النسيان ورغبةِ البقاء،
يحمل قلبَه شعاعًا صغيرًا في عتمةٍ لا تنتهي.
كيف تصمدُ الروحُ أمام الانهيار؟
وكيف يشرقُ الضوءُ حتى في أعمقِ أقبيةِ الظلام،
مذكّرًا بأن الأملَ، وإن خَفَّ، لا يموتُ أبدًا؟
⸻
غرف السراب
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 13.09.2025
يا شمسَنا، ذكّرينا كيف يبدأُ النهار،
نخشى أن ينسَانا القمرُ،
ويبقى الليلُ مختبئًا خلف الجفونِ بلا سهر.
نُحاكي الأحلامَ،
كأننا غرباءُ الضوء، ولا يمقتُنا الضجر،
نلبس الصدقَ ثوبَ مرايا تتكسّر،
ولا نصدّقُ النور،
ولا نغفرُ للعتمةِ خطيئتَها… أحرار،
حتى لو كان الكذبُ مشكاةَ الأسرار.
فمَن لا يحبُّ الشمسَ،
فليبكِ على أطلالِ عاطفةٍ ذابلة،
وليَسألِ الغرابَ عن مأوى في سوادِ المواقف.
فكلُّ شيءٍ آيلٌ للانهيار
إن ظلَّ معلَّقًا في هواء الغرفِ الخانقة،
ولا نراهن على الرماد، والسماءُ زرقاء.
شقاوةُ العيون تُطفئ البصيرة،
وتغلقُ الرؤيا عند المنعطفات،
وتأمرُ الحواسَّ بالسقوط عند مفترقِ الطرق.
فنقع، ونقول: بيتُ العنكبوت غلّفنا،
فصدّق وهمَه وظنَّ أننّا شرنقة،
لم يسمع نداء الغوث من تمزّقِ الخيوط،
وطلبنا منه المغفرة… ننتظر المغفرة.
بعثرنا اللوم كلما نلتقي، ومزّقنا العتاب.
يا بابُنا، افتح أسرارك،
أرِنا الغرفَ المخبَّأةَ في حضنِ السراب.
كلُّ الدهاليز تقودنا إلى معجزةِ الخراب،
والفضاء يتألم.
مَن نعاتب، وكلُّنا مظلومون؟
صرنا سوسًا يرقص في الطحين،
لا الخبزُ يُصلحُ كسرَه،
ولا السوسُ يصيرُ فراشة.
تأخّرنا أم لم نمضِ؟
خطواتُنا تجرّ حزنَ سيزيف على درجٍ ملتوي.
سكتنا وقلنا: لسنا سحابًا، ولا نحتمل العقاب،
وما زال لونُ الطحين أبيض… والسوسُ ذاهب.
اشترينا أقلامًا وقلنا لها: اكتبي،
لكن حرّمنا عليها اللغات،
فخطّت سطرًا وقالت:
اعبروا من فوقه لتروا كيف تموتُ الإرادة،
ويكتنفُ العقلَ ضباب.
كبرنا… ولم نُجب على سؤالٍ واحد:
كيف تكون الابتسامةُ إن كان العقلُ فارغًا؟
أنا أراها… عناقُ الشفاه عند وداعِ الفم.
يا سيّد القطاف، لم أجد ثمرةً تُشبِهني،
صنّفني حبَّ شعير، أو بذرةَ وردة.
لا توبّخني، أنا في أملٍ أن أرى ما خلفي،
وما يسقط من الأعلى.
لا أرى في حصاري يأسًا،
بل قبواً مضاعفَ الجدران يحرسني منّي…
إن اخترقتُ الوهن.
هل يُعقل ألّا نتوفّق إلا بالخيانة؟
أو بالصمتِ على الخيانة؟
كلُّ شيءٍ يهبط،
ولا نهوضَ إلا للسأم،
لكن شعاعًا صغيرًا يطرقُ الأبوابَ المظلمة،
يذكّرنا أن الأمل لا يموت.
فكيف لي أن أصدّقه…
إن كنتُ وحدي، بلا ابتسامة؟
ماذا يبقى إن بقيتِ الأرضُ سوداء؟
هل ينبتُ الزرعُ في الأفران؟
هل تطيرُ العصافيرُ من فوهاتِ المداخن؟
هل يولَدُ الحبُّ في عقلٍ محاصرٍ بالنار؟
ويرضع المطرُ من غيمةٍ تكرهه؟
سنجد الجواب بعد أن تمرَّ الزوبعة
فوق ساعاتِ الانتظار.
كم مرة نعيد الكرّة،
ونظنُّ أن الموتَ يُغيِّبُ التاريخ؟
ومع ذلك…
لا يغيّرنا شيءٌ أكثر من فَهمِ ما سيُكتَب عنّا.
أخشى أن تترك السطورُ لهم،
ويكتبون قصصَهم ونحن أبرياء.
لكن حتى في قلبِ الحطام يضيءُ شعاع،
مثل طفلٍ يضحكُ في الليل،
لا لنجمه، بل للسكون.
نتنبّه، ونستعجل له الفطام.
ومثل يدٍ تمسك الضوء،
لتدلَّه على العتمة،
والعتمة ترافقه مرشدًا أمينًا،
تتركه يمرّ… وننسى نحن جمال النور،
نبتهج إن العتمة صارت تعشق ضوء عابر.
أنا ما زلتُ أنا؛
وإن اعتنقتُ الشمسَ، وأشعلتُ شموعَ الحياة،
مصيري الانهيار…
إن كنتُ وحدي، أمسكُ بالجدار.
فلا يهمّ في عالمِ البغضاء
من تصيبه القنبلةُ في رحلتها المجنونة.
حتى لو اخترقت القيمَ وأظلمت الوجدان،
أرى الجدارَ يحمينا إن بنيناه على يقين الهدى.
أوّل حجرٍ سيكون تاريخَ انتهاء الفوضى،
وارتفاع الجدار سيحمي الغيوم من الفناء،
فوق سقوف من ورق.
طاهر عرابي — دريسدن