“تأملات على حافة الخلود”
في هذه القصيدة، فتحتُ بوابةً لتأملٍ هادئٍ في معنى الخلود، والبهجة، والزمن.
تساءلتُ بصدق: ما الذي يدفعنا للّحاق بأطياف الوجود، بينما البهجة الأزلية قد تسكننا بصمت منذ البدء؟
بين ضوءِ المصابيح وظلالِ البالوعات، رقصتُ على حافةِ العقل، أفتّش عن لحظة يتصالح فيها الإنسان مع ذاته، ويُصغي لنداء الفناء دون خوف.
هذه القصيدة تمرينٌ على الإصغاء العميق، وهمسةٌ في أُذن الوجود:
أن النور لا يحتاج خصمًا ليضيء،
وأن الميلاد والموت لا يفصل بينهما أكثر من ومضة… أو قطرة مطر.
⸻
تأملات على حافة الخلود
(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)
دريسدن، 01.09.2024 | نُقّحت في 15.07.2025
مصابيحُ الطُّرُقِ ترسلُ ضوءًا،
تتلحّفُ به قطراتُ المطرِ في سعادة،
تلمعُ كالألماسِ على تيجانِ العرائس،
ثم تختفي في البالوعاتِ المُظلمة،
بلا ذِكرى للبريق، ولا لبهجةِ الميلاد.
البهجةُ اعتذرت وقالت:
كم هي أضحوكةٌ تلك…
فالميلادُ والموتُ برقٌ لا يُرى!
وكم نملكُ من الوقت، ولا نلتفت؟
ولا نُصغي لنداءِ التفكيرِ حينَ يُصبحُ واجبًا.
وُلدت من غيمةٍ في السماء… ثم اختفت.
أشعرُ بالذنب… أنا البهجة،
كيف لم أُوقظ قطراتِ المطر؟
عاشتْ بَرْقَ الجمال،
ولم تحطّ على زهرةٍ،
ولا استرختْ على شُرفةٍ تُطلُّ على الوجود.
ما أقسى أن تُغمرَ بالسعادة،
كأنها كفنٌ مُطرّزٌ بالوهج.
أما نحنُ البشر،
فلم نخشَ حملَ البهجةِ إلى ما بعد الواقع،
ولم نتطرّف في إيذاءِ العقل ليقول الحقيقة:
من نحن؟
سيفشلُ العقلُ، وتعودُ العلّةُ الأزلية.
نحن لا نحن.
نتباهى تحتَ مجهرٍ نُسلّطه
على فلسفةِ الوجود،
ثم نطغى، ونفكّرُ في الخلود،
نرفلُ في ترفٍ يصوغه العقل،
لكنّه ترفٌ زائل.
كانت حبّاتُ المطرِ ومضةً من زمن،
مرّتْ بها المتعة،
ولم تمنحها شيئًا،
ولا حتى ظلَّ ابتسامة.
فما أشدَّ خسارتنا
حين نُضيّعُ البهجةَ الأزلية!
لماذا نفكّر فيها؟
لو لم يكن الطمعُ
يذبحُ الطمأنينةَ بسكّينِ الواثق…
والعقلُ، مهما حاول،
لا يستطيع الذهابَ أبعدَ من البهجة.
لا يستطيعُ ذلك أبدًا.
لكنّنا سُعداء،
وحبّاتُ المطرِ سلكتْ مصيرها بصمت.
من يسبقُ الضوءَ،
يسقطُ في عتمةِ الشقاء.
وحينها،
نتزاحمُ بين العفّةِ والمجون،
نتساقطُ على خطٍّ واحد،
كنفقٍ أسود،
من بدايتِه حتى نهايته.
نتوهّمُ أننا نختلفُ في الموت،
نتفاخرُ بوهمٍ أقسى من الحقيقة،
ذلك النقيضُ… مغموسٌ بالغطرسة.
ولا أحدَ يتذكّرُ لحظةَ ميلاده،
ليكونَ شاهدًا
على تسميةِ الأبديّةِ لنفسها.
رزانةُ العقلِ مفتاحُ الأزل،
لكن، هل نُبدع في الحياة
ونحن نلهثُ خلف البقاءِ المادي؟
لا، أبدًا.
فالقصورُ لا تكتبُ قصّتَها بنفسها.
سنتّفق، لا محالة،
أنّ البهجةَ لا تفنى،
وتولدُ في كلّ لحظة،
حين يتحرّرُ العقلُ نحو الإبداع.
ماذا تريدُ الفراشاتُ من ألوانها،
سوى رقصةِ الفرحِ عند اكتمالِ العطاء؟
تمرّ ساعاتُ النهار،
والنحلُ يطوف،
وهو راضٍ؛
ولو لم يكن كذلك،
لصارَ تمساحًا أو ذئبًا،
وافترسَ ذكرياته.
لو أخذنا بقدرِ ما نعطي،
لتساوت العقولُ في البهجةِ الأزلية،
ولانتهى الشقاء،
كما تذوبُ الظلمةُ في ضوءِ النهار.
وفي الليل، تشتعلُ الشموع،
لا لتؤذي الظلام،
بل لتُعلّمنا:
أنّ النورَ لا يحتاجُ عدوًّا ليكون.
(ط. عرابي – دريسدن)