الثلاثاء، 15 يوليو 2025

ذكرى بقلم الراقي فاروق بوتمجت

 ذِكرى


كان صباحًا رماديًّا، من تلك الصباحات التي لا تنتمي للفصول، ولا تُعلن عن نواياها. جلستُ وحدي في الزاوية الدافئة من مكتبي، أرتب أوراقًا صفراء، وكتبًا نسيتها الحياة، كما أنستني أنا...

رفعتُ غلاف ديوانٍ شعري قديم، فانزلقت ورقة صغيرة، خفيفة كأنها ريشة من ماضٍ نسي نفسه.

كانت زهرة، ذابلة لكنّها لم تمت. عبيرها غاب، لكن أثره ظل عالقًا في الحنين...

عرفتُها فورًا، لم أحتج إلى تذكير، فهي ليست زهرة، بل قلبٌ يابس من الوجد.

كانت هي...

زهرة كانت قد أهدتني إياها "هِيَ" في مساءٍ من مساءات العمر، حين كنا نعتقد أن العمر لا يُغلق أبوابه.


أتذكر حين قالت لي:

"لا تنساني... هذه الزهرة حين تذبل، لن تكون قد ماتت، بل نامت لتراك يوماً ما، وتقول لك: أنا هنا..."


رحلت قبل أن يأتي ذلك اليوم. رحلت دون وداع، دون حتى أن تمنحني حنجرتها نغمة الوداع الأخيرة.

الزهرة صارت الآن كل ما تبقّى. ذِكرى بين دفتي كتاب... ووجع نائم بين سطور الزمن.


أمسكتُها كمن يمسك قلبه المرتجف. جلستُ طويلًا أحدّق فيها. هل أنعيها؟ أم أبعثها في رسالة نحوها؟

أين هي الآن؟ أفي مكان يسمع فيه الورد؟

أفي زمن يُعاد فيه اللقاء، حتى لو كان ظلًا على ظل، أو طيفًا على مرآة؟


بكيت... ليس على الزهرة، بل على قلبي الذي لم يذبل رغم كل شيء.


عدت أرتب أوراقي، وكل ورقة كانت تنطق باسمها.

كل كتاب مرّ بلمستها...

كل ركن من الغرفة تنفّس حضورها.

لكن الزهرة، هي وحدها من صمتت بصوتٍ لم أستطع نسيانه.


وضعتها على مكتبي، وقررت ألا أرتبها مع الباقي،

فالذِكرى لا تُرتّب... الذِكرى تُحيا.

الاستاذ فاروق بوتمجت الجزائر 🇩🇿

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .