هاجر سليمان العزاوي
شكراََ أيها الموت
دخلت غرفة العمليات وليس كعادتها مثل كل
مرة متفائلة ومبتسمة...وكيف لا فهي الطبيبة
الجراحة المشهورة التي تمر عليها عشرات
العمليات الكبرى...كانت متميزة باختصاصها
الطبي الفوق العالي في أوعية وشرايين
القلب التاجية
كانت عيناها تغرق بالدموع وهي تنظر لذلك الجسد النحيف الذي ارتمى على السرير وقد
أنهكه المرض
تأملت وجها انطفأ النور ......
فيه.......
..فقد اجتاحته التجاعيد المتعطشة لعودة زمن
بسيطة
اقتربت بخطوتين نحو المرأة الراقدة بين الحياة والموت
أمسكت يدها تلك اليد الحنونة الممتدة لها دائما بالخير
تدلت قطرات العرق من ذلك الجبين الذي مازال زاهياََ بالود والحب والحنان....
مسحت بيدها تلك القطرات الباكية وهي تطبع على خدها قبلة ثم همست في
أذنها
قائلة..... أمي اصمدي أريدك قوية وشجاعة مثلما عرفتك لا تهزك المصاعب ولا الآلام
ساعديني أرجوك يا أمي فهذا امتحان
صعب ......
تناولت المشرط من يد الدكتور علاء المساعد الجراح....كان كادرها الطبي يدرك تماما صعوبة الوضع الخطير الذي تمر به والدتها الكبيرة السن ....ولكن ما باليد حيلة فهي حقاََ
مجازفة
توكلنا على الله
قالتها .. الدكتورة حنان
وصوتها يرتعد بكاءً قد خذلته الدموع
وبدأت أنفاسها تتصاعد مع أجهزة الغرفة فقد كانت أصواتها ترهقها ...
وكأنها صافرة إنذار انطلقت لتدق ناقوس الخطر
مضى على وقت العملية ساعتان وكان الوقت بعامين ......
كان المشرط حادأ للغاية ......
تراقبه وهو يمزق أحشاء أمها ....كيف يمر هنا
ويذبح هناك.....
لم تجد سوى شريانا واحدا سليما والبقية أفحمها الزمن.....
دكتورة
بدأت نبضات القلب بالإنخفاض
قالها دكتور علاء.....
وهو يراقب شجاعتها وصمودها أمام هكذا موقف
جهز أمبولة الأدرينالين وجهاز الصدمة
قالتها مثل الذي يخاطر بأخذ لقمة من فم أسد جائع
كان الوقت يمضي ببطء وعبر الأربع ساعات ...وما زالت الدكتورة حنان تغامر بين الأحشاء المتيبسة لتحيا بها شيئا من الحياة......
كانت قطرات الدم مثل قطرات الندى تناغمها...هي ذات الدماء التي تجري بعروقها.....كثيرة هي الويلات والإنكسارات التي أختبأت بين الصمامات
جروح هنا وطعنات نامت هناك
كلها اجتمعت في قلب ذبل ليسعد غيره.....
دكتورة النبض غير مستقر يا دكتورة ...
قالها الدكتور علاء بصوت امتلأ خوفا وتوجسا
أمبولة أخرى من الأدرينالين ....
كان صوتها يرتعش بكاءا. وهي تقولها.....
غمرتها رعشة خفيفة عندما لمست يدها شغاف قلب أمها
همست بخاطرها قائلة...
كم أنت جميلة يا شغاف.... اختبأت فيك طوال هذه السنين
كم كنت وفية ومخلصة....
كم شعرت بحبك وعطفك....
لم ألمس
إيثارا يعلو فوق إيثارك لم يبق
إلا القليل....قالتها الدكتورة حنان
وهي تعلم أن أمها تصارع الموت بين إرتفاع وانخفاض في ضربات القلب الهاجرة.....
وكأنها تريد أن تخاطبه وتقول.....
تمهل أيها الموت الذي تأتي لنا بلا موعد وبلا طيب خاطر
تمهل ولا تأخذني من تحت مشرط ابنتي
تعال. في وقت آخر......
انتهى وقت العملية
بين صدمة كهربائية وبين أمبولات الأدرينالين
وسيق ذاك الجسد المرتمي إلى غرفة إنعاش القلب
وبدأت ساعات انتظار عودة الأم قاسية وموجعة على الطبيبة حنان ....
تناظر أمها وهي تمكث على كرسي تراقب سرير أمها تارة
وتارة
أخرى تحاكي الأجهزة الطبية معاتبة .....
هيا أخبريني أيتها القاسية شيء عن أمي.....
أخبريني أن العودة آتية.....
أخبريني أن الزائر الواقف خلف الأبواب والشبابيك سيأخذ بعضه ويرحل من هنا
أخبريني أن البسمة ستعود لتشرق مرة أخرى في وجه أمي
قطعت على نفسها شرودها بين صوت الصمت القاتل
تحاكي أمها قائلة......
لقد أخبرني شغافك يا أمي بالكثير الكثير من الحكايات المختبئة....
أخبرني أن أبي لم يتوفى
بل هجرك بعد ولادتي بعام
كلمني شغافك وهو يبكي عن تلك الغرفة المتهالكة الرطبة التي كنا نسكن فيها في بيت خالي لم يكن نبلا ولاسخاء
بل كنت تسددين ثمنها كل شهر...
همس لي شغافك يا حبيبتي أن كل الأطعمة التي أحبها لم تتذوقي منها شيء...
وأن خالتي لم تكن بمريضة
بل هي حجة منك ...
للخروج لكي تبيعي الورد بين الأزقة والأرصفة
كشف لي سرا شغافك يا أمي...
أن الورود بين يديك كانت دافئة ....
أخذت عطرها من رائحتك الزاهية....
أخبرني أن الحياة معك كانت قاسية. وموجعة
وأن الآلام كانت قبل مرور مشرطي نائمة....
ما أروع وأعظم الاكاذيب التي أخفيتها عني
حتى في كذبك رائعة....
وبين الشرود والمحاكاة التي دامت لساعات
وهي تراقب صخب الأجهزة وكأنها تنهال بكل توسلاتها...بشيء أو بنيل فرصة للعودة ...
انتظار يحلق في فضاء ألم أمها .....
تارة تحاكي جسد أمها وتارة أخرى تعاتب صوت الصمت القاسي .....
وبين السرد والعتاب
تحركت يد أمها اليسرى....
قفزت من مكانها ..... أمي حبيبتي...
قالتها....
وهي تقبل رأسها ويدها
وقد أغرقت بالدموع مقلتيها.....
كنت واثقة يا أمي بأنك عائدة....
وأنك لن تسمحي بانكساري أن يأتي على يديك...
تارة تقبلها وتارة تستحضرها....حبيبتي أن كنت تسمعين ما أقول...
افتحي لي عينيك الجميلتين.....
تتذكرين يا أمي عندما رأيتها لأول مرة ....
كنت تكلميني بها وما أنقى كلامها ...
أرجوك يا أمي دعيني أبحر بها مرة أخرى....
فهي الشاطىء والمرسى
فلا ملاذ لي إلا بنظرة عينيك ...
فتحت الأم عينيها وجاء رد القدر الذي
أنصفها هذه المرة بعد عناء وشقاء لتشرق شمس عودتها للحياة....
أمي قالتها الدكتورة حنان...
وهي ترتمي في أحضان أمها كطفلة تائهة . .....
أضاعت طريق العودة في دروب ليل
سكنته الوحوش الكاسرة..
شكراً لك
أيها الزائر ...
شكراً لأنك اخذت مكانك..
ولم تطرق الأبواب والشبابيك وتزعج أهلها
كنت لطيفاً حقاََ
بقلمي: هاجر سليمان العزاوي
10 - 6 - 2025
العراق