سلسلة: محاكماتُ النَّجاة (2)
ليس كلُّ من نجا بريئًا… بعضُهم بقي ليُحاسَب.
الناجي المُتواطِئ
بقلم: الكاتب حسين عبد الله الراشد
_________؛؛؛؛؛؛
ليس كلُّ صمتٍ حكمة، كما أنّ ليس كلَّ نجاةٍ خلاصًا أخلاقيًّا.
فبعد أن ينحسر الخطر، وتبرد لحظة الفزع، تبدأ محاكمةٌ من نوعٍ آخر؛ محاكمة لا تُقام في ساحات العنف، بل في ضمير من بقي، وفي وعيه، وفي الطريقة التي أعاد بها ترتيب العالم من حوله.
الناجي المُتواطِئ ليس شريكًا في الفعل، ولا حاضرًا في مسرح الجريمة، لكنه حاضرٌ في نتائجها.
هو ذاك الذي رأى، وفهم، ووعى، ثم قرّر أن يُحَوِّل وعيه إلى منطقةٍ آمنة، وأن يُعيد تعريف الصمت بوصفه عقلانيّة، لا انسحابًا، وأن يُعيد تأويل النجاة باعتبارها حقًّا مكتسبًا، لا موقفًا يستوجب المساءلة.
في التحليل الأخلاقي العميق، لا تُقاس المسؤولية بالفعل وحده، بل بحدود الامتناع، وبما يترتّب على القبول الضمني، وبالطريقة التي يُدار بها الصمت حين يصبح سياسةً ذهنيّة، لا ردّة فعلٍ عابرة.
فالصمت، متى صدر عن إدراكٍ كامل، تحوّل من حيادٍ ظاهريّ إلى مشاركةٍ غير معلنة، ومن توقّفٍ عن الكلام إلى فعلٍ مستمرّ يُعيد إنتاج الخلل ويمنحه شرعيّة البقاء.
هنا يتشكّل التواطؤ في أكثر صوره خفاءً وخطورة؛
لا عبر اتفاقٍ صريح، بل عبر تكيّفٍ بارد مع ما لا ينبغي التكيّف معه،
ولا عبر دفاعٍ علنيّ، بل عبر انتقاءٍ دقيق للذاكرة، وتخفيفٍ متعمَّد لحدّة الأسئلة، وترويضٍ داخليّ للضمير كي لا يطالب بأكثر ممّا يحتمله الاستقرار الشخصي.
الناجي المُتواطِئ لا يكذب بالضرورة، لكنه يُفرغ الحقيقة من ثقلها.
لا ينكر الوقائع، لكنه يُحيّد دلالاتها.
ولا يبرّئ الفعل، لكنه يُميّع المسؤولية حتى تفقد قدرتها على الاتهام.
وهكذا، تتحوّل النجاة من تجربةٍ إنسانيّة قاسية إلى مظلّةٍ ثقافيّة مريحة، تُبرّر الصمت، وتُعيد تعريف الحكمة بوصفها سلامةً ذاتيّة لا التزامًا أخلاقيًّا.
في هذه المحاكمة، لا نُدين الأفراد، بل نُفكّك البُنى الذهنيّة التي تسمح للتواطؤ بأن يبدو عقلانيًّا، وللصمت بأن يُسوَّق كفضيلة، وللنجاة بأن تُستخدم ذريعةً للانسحاب من السؤال العام.
فما أخطر الإنسان حين ينجو، ثم يُقنع نفسه بأنّ نجاته تُعفيه من إعادة النظر، ومن مراجعة موقفه، ومن تحمّل كلفة الوعي.
إنّ محاكمات النجاة لا تتوقّف عند حدود ما حدث، بل تبدأ ممّا فُهِم، وما سُكِت عنه، وما أُعيد إنتاجه باسم الواقعيّة والحذر.
فالذين سقطوا انتهت حكايتهم، أمّا الذين بقوا، فقد دخلوا منطقةً أكثر تعقيدًا، حيث لا يكفي البقاء، ولا تُغني السلامة، ولا يُعفي الصمت من الحساب.
ولأنّ هذه السلسلة لا تكتفي بالتشخيص، فإنّ ما يلي هذه الحلقة لن يكون توصيفًا جديدًا للصمت، بل انتقالًا نحو مساءلةٍ أعمق:
ماذا يحدث حين تتحوّل النجاة من تجربةٍ فرديّة إلى نمطٍ جماعيّ؟
وحين يصبح البقاء نفسه سؤالًا أخلاقيًّا م
فتوحًا، لا إجابة سهلة له؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .