في لحظةٍ يختلط فيها وجع الروح بأنين الأرض، تنبثق من بين الرماد هويةٌ لا تُشبه سواها، روحٌ ما بين الخسارة والرجاء، ما بين الغياب والعودة.
ليست صرخةً ولا أنينًا، بل نبضًا هادئًا يذكّر بأن الحياة لا تُهزم مهما اشتدّ الخراب.
من جذور الزيتون ودموع الأمهات تولد الحكاية، حكاية وطنٍ يسكن في أنثى، وأنثى تحمل على كتفيها صبر وطنٍ بأكمله.
هناك، في المسافة بين الذاكرة والوجع، تتفتح الحروف كزهرةٍ تقاوم الريح، وتقول:
"أنا الروح التي لم تمت، أنا واحة الصبر، أنا الوطن الذي ما زال ينبض."
✍️Avista Hamade ⚘️
هوية الروح النابضة: واحة من صبر الوطن......
Avista Hamade
في عمق الزمان حيث تتلاشى الحدود بين الألم الشخصي وجراح الوطن، هناك روحٌ تقف على حافة الانكسار، لكنها لم تسقط. روحٌ لم تعرف الاستسلام، روحٌ تعرف كيف تتحول الدموع إلى نور، وكيف يتحول الجرح إلى موسيقى، وكيف يصبح الصمت صرخة صافية تصل إلى السماء قبل الأرض.
كل ندبة في جسدها، وكل خفقة قلبٍ متعبة، هي صدى لسنوات من الصبر، سنوات من الخراب، سنوات من الخيانات والحروب التي نهشت الجذور وأزهقت الأرواح. لكنها تعلمت أن الألم ليس نهاية، وأن الجرح ليس ثقلًا، بل هو مدرسة تعلمك كيف تنظر إلى الحياة بعيون مفتوحة، كيف تعرف قيمة الحب بعد الخذلان، كيف تعرف معنى الإيمان بعد الضياع.
روحها ليست مجرد امرأة، بل وطنٌ كامل، يتنفس في صمت المدن المحترقة، في البيوت المهجورة، في الحقول العطشى، وفي الأشجار التي صمدت رغم كل الحروب. إنها روح الزيتون الذي يصر على النمو بين الركام، روح الأرض التي تحتضن كل دمعة وكل دمٍ سُفك، روح البشر الذين ما زالوا يحلمون رغم كل الخراب.
هي تقرأ الإنسان كما يقرأ الوطن، ترى الخيانة والوفاء، ترى القسوة والرحمة، ترى الحب والخسارة. كل كلمة تنبثق من روحها ليست اعترافًا بالهزيمة، بل شهادة على وعيٍ نادر، على قدرة الإنسان أن يحول الرماد إلى واحة، على قدرة الروح أن تحول الألم إلى عزف على أوتار الزمن.
في صبرها، صدى الوطن كله. في دمعتها، كل دموع الأرض. في ابتسامتها، وعد بالعودة، وعد بالحياة، وعد بالحرية التي لا يقتلها الخراب. إنها تعلم أن الصبر ليس مجرد احتمال، بل فنٌّ للعيش بكرامة، فنٌّ يعلّم أن الحب والخسارة وجهان لعملة واحدة، وأن الإيمان، مهما بدا خافتًا، لا يموت أبدًا.
كل ليلة، حين يسدل الليل ستاره، تسمع صدى الخراب يتحدث عن السنوات التي أُنهكت فيها القلوب، عن الأطفال الذين فقدوا الأحلام، عن المدن التي صمتت بعد الضحكات. لكنها لا تتوقف عن المشي، لا تتوقف عن التأمل، لا تتوقف عن التساؤل عن العدالة وعن معنى الحياة في هذا العالم المجروح.
روحها تقول للعالم بصوت هادئ لكنه صارم: نعم، تألمنا، نعم، انهارت المدن، نعم، ضاعت الأحلام، لكننا ما زلنا بشرًا، وما زال فينا نورٌ يرفض الموت. وما زالت أنوثتها المجروحة تصدح بالحياة، تصدح بالصبر، تصدح بالوعي الذي يجعل من الندبة نبراسًا، ومن الخراب واحة، ومن الجرح موسيقى.
في كل لحظة يقظة، تتذكر أن الهوية ليست فقط ما نرثه، بل ما نختاره، ما نحمله، ما نعلّم من الألم ومن الحب. كل ندبة في جسدها، وكل ألم عاشته روح الوطن معها، يضيف إلى وعيها، يضيف إلى قوتها، يضيف إلى القدرة على الحب رغم كل الخذلان، على الإيمان رغم كل الخراب، على الحلم رغم كل الضياع.
إنها هوية الروح النابضة: صبر عاش سنوات، دمعة لم تنكسر، وجرح علمها كيف يكون الحب خالصًا، كيف يكون الإيمان خالدًا، وكيف يمكن للإنسان، مهما انهار العالم حوله، أن يبقى حيًا في داخله، حيًا في وعيه، حيًا في حبه لوطنه وللآخرين.
وها هي الآن، تقف على مفترق الطرق مرة أخرى، لكنها مختلفة. ليست ضعيفة، ليست خائفة، ليست وحيدة. كل ما عاشته أصبح نورًا، كل ما سقط حولها أصبح جسراً، وكل ندبة أصبحت شهادة على أنها، ووطنها، قادران على النهوض من الرماد، على أن يغنوا، على أن يكتبوا الحياة من جديد، على أن يحولوا الألم إلى واحة، وعلى أن يجعلوا من الجرح موسيقى لا تنتهي.
هذه الروح، هذه المرأة، هذا الوطن، هم مرآة الوعي: لا يطلبون من أحد الاعتراف، ولا يبحثون عن رضا العالم. كل ما يفعلونه هو العيش بصدق، العيش بالوعي، العيش بالحب، العيش بما يجعل من الألم صرحًا، ومن الصبر واحة، ومن الجرح موسيقى تُسمع في صمت الأجيال القادمة.
آڤيستا حمادة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .