«رحلة بين ضفّتين»
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 30.05.2020 | نُقِّحت في 16.10.2025
هذه القصيدة وُلدت وأنا واقف بين ضفّتين:
ضفّة تُشبه الماضي بكل ثقله وأسئلته وعذاباته،
وضفّة يلوّح فيها الغد كمرآة مقلقة بالحروب والتهجير.
كتبتها لا لأجيب، بل لأتأمل…
لا لأرثي، بل لأجرّب احتمال أن يكون الحزن طريقًا للفهم،
وأن يكون الحبّ مأوى لا مهربًا.
إنها رحلة في الذات،
وفي ما نعبره جميعًا حين نقف وحيدين أمام مصائر
لا نملك إلا أن نحبّها أو نتمرد عليها
لنغيّر ما فيها فتستقرّ.
⸻
رحلة بين ضفّتين
1
قهرتُ نفسي برؤية القادمِ مستطلعًا،
وكلّ شيءٍ مبهمٍ، والأملُ سلاحٌ
يُطوى على الأوجاع في لججِ الأحزانِ
التي تكدّستْ وصارت أتراحا.
ونسيتُ حاضري المكسور، كأنّي
بالغدِ الطمّاع، لا أرضى ارتياحي.
والغدُ أكبرُ من وجهي، ومن وجهِ الثرى،
ومن وجوهِ الآدميين وهم في اجتياح.
إلى ما أنظرُ في نهاري؟
وأنا كقاربٍ في بحرِ هذا العمر،
أسقطُ المجدافَ من يدي،
وأنتظرُ رحمةَ الريحِ في الشراع؟
أنا الذي أتى للحياةِ صاغرًا ومطيعًا،
وما كان أمري للحياةِ أمرًا مطاعًا.
فليستْ كلُّ الأيامِ ذاتَ مخاضٍ للحظّ،
ومن خلفي، ومن أمامي،
يقفُ المسكينُ، والحزينُ، والمرتاع.
سأرضى بقلبٍ كيفما دقّ… رتيبًا،
فغيري صدرُهُ يخشى السكونَ،
وتوقّفَ الإيقاع.
حزينٌ يمشي،
وحزينٌ ينام،
ثمّ يصحو…
ويعبثُ في ساعاتِ النهار،
يتشابهُ مع سكّانِ القبور،
والفرقُ أنّه يغامرُ في الضياع.
2
ما هتفَ للحياة،
ولا نظرَ لمن هتفوا،
ولم يقبلْ كلامًا ترضى به الأسماع.
دعونا من الأحزان،
إنّي أرى في العطفِ مذلّة،
وأراهُ الآن يفرُّ من وجهِ من عطفوا
ليصبحوا أسيادًا على النفسِ وعلى الضلوع.
أريدكم فرحًا…
أو مثلَ سكينةٍ لا تردّ،
ولا تصدّ، لا انحسار، لا مدّ،
لا اندفاع.
ما عُدتُ أخشى القادم،
فقد بات في الأقدارِ موزّعًا،
ولكلٍّ منّا فيه قسمته،
وجميلُها سيكون خيرَ متاع.
كم من طيرٍ غادرَ هربًا من بردِ الشتاء،
فوجدَ في صيفِ البلادِ شِباكًا وقلاعًا!
وكم سلحفاةٍ خجلتْ من عدوٍّ غزال،
فوقعَ، وهو في لهوٍ ومرح،
فسمعتُ طقطقةَ العظامِ، وهو في فمِ الضباع.
لكلٍّ منّا شأنُهُ في الحياة،
ولا يعلو شأنٌ فوق الكرامة،
لا للشيوخِ، لا للشبابِ، ولا للرضاع.
أنا، وأنت، وهم،
والكلُّ معروفٌ في حبّهِ للحياة،
يتحلّى بالصبرِ ليزدادَ في قلبِه اتساع.
أمّا أنا؟
فجعلتُ من الحبّ سيّدًا،
فهربتْ من صدري الأوجاع،
وإنْ عادت، أعجلُها الوداع.
سيَدُقّ الحظُّ والأملُ في كلّ الساعاتِ جميعَ الأبواب،
فأصغِ لنشيدِ الزهر،
ومتّعْ بنسيمِه الأسماع.
سيصلُ كلٌّ منّا إلى غايته،
إن جعلَ من الغدِ بدايةَ الطريق،
فبلوغُ الغاياتِ مسألةُ جهدٍ وإبداع.
فلا تنظرْ إلى الماضي،
ولو بقناع،
فعينُك هي الشاهد،
والوجهُ حاملُها
كعبدٍ مطيعٍ لا يفارقُ حكمَ الانصياع.
من قال إن الغريبَ عنك
سيكونُ لندائك عبدًا سميعًا؟
إن لفّكَ اليأسُ،
واختارَ لك الصمتَ رداءً،
فلن يسمعَ النداءَ
إلّا من كنتَ له ملبّي النداء.
هل أنتَ شريكُ الموج؟
أم أنتَ من ذوائبِ الماء،
تلاطمُك الرياحُ على الصخور،
وتصنعُ منك زبدًا
لا يُشترى، ولا يُباع؟
لا شريكَ للإنسانِ سوى أخيه،
فلا تستعجلْ في فراقِ الناس،
ولا تتركْ ناصيتكَ للسوادِ علمًا للوداع.
3
عِشْ يا حبيبي بينَ نجمتين،
وارسمْ في سهركَ وجهَ القمر،
فستراني أقفُ بينَ ضفّتين
في نهرِ حبّك، مفتونَ النظر.
لا أنتَ، ولا أنا، تشاءُ السنينَ،
ولكنّنا نشاءُ في صنعِ الثمر.
أحيّيك الآن يا حنيني،
فقد جعلتَ من روحي
طيرًا يحطّ في أعشاشِ الهوى،
فأمسيتُ عاشقًا،
وأصبحتُ في الصبحِ
كطفلٍ غنّى، ونادى،
فردّ الزهرُ، وغارَ منه الندى…
ثمّ اعتذر.
كم مرّةٍ امتلأتْ شدونا الأقداحُ،
فَتَعالَ ليومٍ نكونُ فيه عشّاقًا
وأحبابًا،
لا عتبَ، لا هجرَ، ولا قطيعة،
ضاعتْ فيها الأبوابُ، وماتتِ المفاتيح.
فما بينَ ضفّتين،
لا نُولدُ ولا نودّع… بل نعبر.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .