الثلاثاء، 21 أكتوبر 2025

نشيد الجمال والحرية بقلم الراقي أحمد سعود عوض

 

نشيدُ الجمالِ والحرّية

أحمد سعود عوض

 

حين خرجتِ من الماء،

لم يكن الماءُ ماءً بعد الآن،

ولا الطينُ طينًا،

ولا الضوءُ ضوءًا،

بل نداءٌ قديمٌ

تذكّرَ نفسهُ في يديكِ.

 

كانَ الكونُ يجرّبُ أن يرى نفسَهُ مرّةً أخرى

من خلالِ وجهٍ بشريٍّ

لم يتعلّم الزيفَ بعد.

 

وجهُكِ ليس لوحةً للجمال،

إنهُ مرآةُ الوعي

حينَ يتطهّرُ بالرؤيا.

إنهُ سؤالُ الوجودِ

حينَ يتأمّلُ في أسبابِ الحُسنِ

وأسبابِ البقاء.

 

كلُّ شيءٍ فيكِ

يذكّرُني بأنَّ الجمالَ ليسَ زينةً،

بل مسؤوليّةُ الضوء،

وبأنَّ الحرّيّةَ ليستْ صرخةً،

بل إنصاتُ القلبِ

إلى ما لا يُقال.

 

في حضورِكِ،

تتعلمُ المخلوقاتُ أبجديّةَ النقاء.

يذوبُ الحديدُ في نظرِ الطفولة،

ويتعطّلُ الشرُّ لحظةً،

كأنَّ الكونَ يتردّدُ في إيذاء نفسه.

 

الإنسانُ يولدُ من الحلم،

ويموتُ من الغفلة،

ويعودُ إلى أصلهِ

حينَ يتذكّرُ الجمال.

 

ليس الجمالُ أنوثةً أو هيئة،

بل حكمةُ الخلقِ،

حينَ قرّرَ أن يجعلَ الرّقةَ طريقًا للوعي.

وليسَ في وجهِكِ ما يُشبهُ الوجهَ،

بل فيهِ اتّساعُ الفكرةِ

حينَ تصيرُ عاطفة.

 

إنّا نُخلَقُ من رمادٍ وأبد،

من حنينٍ ومعرفة،

من خطيئةٍ صغيرةٍ

وأملٍ كبيرٍ

بأنّ الطهارةَ لا تُفنى.

 

حينَ أراكِ،

أفهمُ أنَّ المعنى لا يُرى،

بل يُشعَرُ به،

حينَ يُبدعُ الوجودُ وجهًا مثلَكِ.

وأفهمُ أنَّ الحرّيّةَ لا تُمنَح،

بل تُزرَعُ في نظرةٍ تُنقِذُ الآخرين

من الظلام.

 

ليسَ فيكِ امتثالٌ أو ترف،

بل حكمةُ العدل،

حينَ يتّزنُ الجمالُ بالمسؤوليّة.

 

كلُّما ابتسمتِ،

انكسرتْ في الهواءِ فكرةُ القسوة.

كلُّما مررتِ،

تذكّرَ الترابُ أنّهُ من نور.

كلُّما ناديتِ باسمِ إنسان،

اهتزّتْ في الأعالي معاني الحياة.

 

حين نُحبّكِ،

نستعيدُ وجوهَنا الأولى،

نخلعُ أقنعةَ الصدى،

ونمشي على الأرضِ

كما لو أنّها طريقٌ إلى الفجر،

لا إلى النهاية.

 

علّمينا أن نُبقي الجمالَ حرًّا،

والحرّيّةَ جميلة،

وأن نرى في الخطأِ ظلَّ نعمة،

وفي النقصِ بذرةَ اكتمال.

 

ها أنتِ،

تسكنينَ ما لا يُسمّى،

تحرسينَ المعنى من الانقراض.

تغسلينَ وجوهَنا بالدهشة،

وتقولينَ للعالمِ الواقفِ على حافّةِ النسيان:

الجمالُ هو الوعيُ

حينَ يتذكّرُ الإنسان.

 

حين نرى وجهكِ،

نؤمنُ أنَّ الإنسانَ لا يُنقَذُ بالقوّة،

بل بالحُسن،

ولا ينجو بالمع

جزة،

بل بالوعي.

 

من أحبَّ الجمالَ بصدق،

نجا.

ومن صدّقَ النورَ في نفسه،

رأى الوجودَ وجهًا لوجه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .