أحلامٌ وَ بَنَادِق.
في الرابعةِ من عُمري كانت أمِّي تفتحُ كفِّي الصغير وَ تُخبرني عنك، تقولُ لي إنَّك الخَطُّ الثاني المُتوسطُ بينَ خَطَّين،و هي تُغنِّي: هذا طريق ماما ، و هذا طريق بابا ، و هذا طريق عدن!
أمِّي امرأةٌ ناعِمة تعرِفُ كيف تعقُفُ جدائلي بوردة ، كما يعرفُ الكُتَّابُ اليوم كيفَ يُنهونَ نُصوصهم بجُملةٍ جائعةٍ يُكمِلُ القُرَّاءُ نقصَها، وَ بِحِبرٍ يخدشُ حبلَهم الفِكري؛ لأنَّ به شيئًا مِن بكارةِ كيانِهم الأول!
تُخبرُني أمِّي أنَّ الورد في آخِرِ الجدائلِ المعقُوفة يُشبِهُ ( عدن) تتفتَّحُ كلَّ صباح ، ولا تُغمِضُ أجفانَها إلَّا في المساءِ مع آخِرِ طِفلٍ طيِّبٍ ينام ، وَ أنَّ الأجدادَ لأجلِها غَنَّوا:" فَتَّحي يا وردة ، غَمَّضي يا وردة !
كبرتُ وَ كبرَت رقعةُ الفِكرة!
هأنذا في السابعةِ في مدرسةٍ حكومية عريقة؛ ها هي أمِّي تَدُسُّكِ في حقيبتي المدرسيَّةـ دون أن أنتبِه ـ مع فطوري الصَّباحي؛ لتنبُتَ حواسي بِلُغةِ مِلحِك، بِوقارِ شمسانِك، و صَبرِ مراسِيك.
لم أنتبِه متى خَفَتَ صوتُ البحر ؟ كيفَ امتحى خطُّ يدِي ؟
وَ متى تاهَت خرائطُ قلبي؟
متى ذبُلَ الوردُ في الجدائل؟
كيف شاخ شمسان؟
مَن أفزعَ نوارسَ المرفا ؟
و لماذا تتكاثرُ في المدينةِ الغِربان ؟
مَن حَرَّفَ المعنى؟!
من قايَضَ الفكرة؟!
مَن أبدلَ العَينَ في أُولاكِ ( عتابا) بعد أن كانَ( عيدا)
دالُكِ مَن مَلأ دَلوَها ( دَما) وقد كانت (دَلالا)
وَ نونُكِ ما بالُها ( نَوحٌ) وقد كُنَّا في أغانِينا الحِسانِ نُسمِّيها (نَغَمًا وَ نايا)
لم تكُن ريحُ آب نازيةَ الغضب،
ولم يكُن وطني ـ يوماـ مَركبًا مِن خشب ،
لكنَّها القلوبُ يا آب !
أصابَتها خَسفةُ البعثِ الجديد،
راودَتها دنانيرٌ وَ رُتَب،
وَ قناطِيرٌ مُقنطَرةٌ من شرفِ المعنى المهدُورِ في لفظٍ عَقيم، في خيالاتِ الخُطَب!
حَدَّثُونا عن الصَّبر،
عن أنَّها دنيا لا تُستدَرُّ بالطَّلَب!
والشعبُ يا آب لا زالَ يُغوِيهِ المَجازُ، يُبكِيهِ جُرحُ الكلام ،
و مواويلُ العَتَب.
لكنِّي لازِلتُ في الرابعةِ يا عدن،
لازالت أمِّي تعُدُّ على أصابعي بأغنياتِ المَطر والبحرِ و المَرسَى،
تشُدُّ ضفائري بِبَنفسَجِ غَيمة ،
و تُرخيها قليلًا فقليلًا كلَّما نامَ طِفلٌ في المدينة،
لا زالت أمي تُحيِّي البحر بأُغنيةِ محمد سعد ( أوعِدِك) ؛ليغفوَ ذلكَ المعنى،
و يطفُو خفيفًا كطائرةٍ ورقية.
بَيدَ أنَّها(حبيبتي أمي ) لازالت تتجنَّبُ الحديثَ عن الأحلامِ وَ البنادِق.
أحلام الزَّامكي💞
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .