السبت، 11 أكتوبر 2025

حينما نصل إلى النهاية بقلم الراقي سيد حميد

 حينما نصل إلى النهاية

بقلم: سيد حميد عطاالله الجزائري 


مع رياح الدهر الغابرة، تتطاير أتربة القصائد من جوف الدواوين المنخورة،

كأنّ الزمان ينفض ذاكرته ليتخفّف من عبء الجمال القديم.

الحروف التي كتبت ذات وهجٍ أصبحت الآن رمادًا لغويًا، تتهاوى إلى ظلمة الجذور حيث تُمحى الفكرة لتعود نواةً في تربة المعنى.

كأنّ اللغة تموت لتتطهّر، وتغيب لتُبعث في صورةٍ أخرى.


رأيتُ الدود يأكل الكلمات لا جوعًا، بل كأنه كاهنٌ غابر يعيدها إلى أصلها الأول؛

إلى الصمت الذي كان قبل أن يُخلق النطق.

فهمتُ عندها أن الشعر لا يُكتب ليُخلَّد، بل ليُفنى، لأن الخلود نفسه نوع من الفناء المستتر في أبدية الصوت.


تنساب المعاني مثل دماء شهيدٍ لم يمت من طعنة، بل من امتلاءٍ بالنور.

كل معنى ينزف حين يبلغ أقصى كماله، لأن الكمال في جوهره موت،

ولأن كل قصيدةٍ جميلةٍ هي قبرٌ مؤقّتٌ لفكرةٍ أكبر منها.


تساقطت أسماء الشعراء كأوراقٍ من ذاكرة الكَوْن،

كلّهم مرّوا من هنا، قالوا ما استطاعوا، ثم عادوا إلى الصمت،

إلى تلك النقطة المجهولة التي تسبق الحرف وتشبه الله في غموضها.


وفي ليلٍ مائلٍ إلى التأمل، أمسكتُ قلمي النحيل، وقد شاخت في جوفه أحبارُ الإدراك.

كان يتنفس ببطء، كما لو أنه يسألني عن جدوى الكتابة.

همس بأذني كصوتٍ صادرٍ من عمق الوعي:

«دنا موتي... فلا تترك قصيدًا على الورق القديم بلا نشور».


أدركتُ حينها أن القلم لا يكتب بيدي، بل بيأسِ الحقيقة حين تعجز عن الكلام.


هل هذه نهاية الكلمة وبداية إمبراطورية الصمت؟


غَمَضَ عينيه، وفاضت منه آخر قطرة من وجودٍ كان يُسمّى كلمة.

دفنتُه في مقبرة البحور الشعرية، حيث لا تُوزن الأرواح بالتفعيلات،

بل بمدى اقترابها من الصمت الأبدي الذي تنبع منه الموسيقى الأولى.


قرب البحر الكامل، عند حدود الإيقاع الذي صار ذاكرةً للماء،

حفرتُ قبرًا، وكتبتُ عليه بحبرٍ من لا شيء:

"هنا يُدفن الحرف ليعود معنى".


فانفتحت السماء على لحنٍ لا يُسمع،

ورأيتُ أن البحر نفسه يكتب، وأن الموج هو بيتُ القصيدة الذي لم يُختم بعد.

أحسستُ أن كل ما نكتبه ليس سوى صدى لحوارٍ قديمٍ بين الله والكلمة،

وأننا حين نمسك القلم، فإننا لا نكتب العالم، بل نحاول أن نتذكّر كيف خُلِق.


وهكذا فهمتُ:

لا يموت الشعر...

إنه فقط يُبدّل شكله، كما يبدّل الله مظهر النور حين يمرّ من زجاجٍ مختلف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .