"كيمياء الوحل"
في هذا النصّ لا يظهر الوحلُ كركودٍ أرضي، بل ككائنٍ يتنفّس الخوف ويحوّله إلى طقسٍ حيّ. هنا يتقاطع العلمي بالأسطوري، والطيني بالرمزي، والبركة تصير مسرحًا تتعرّى فيه المفاهيم عن وهم الطهارة والخلاص.
إنها كتابةٌ تواجه القارئ لا بمرآةٍ تلمع، بل بسطحٍ طينيّ غامض يبتلع انعكاسه، ويكشف عن جوهر الأسئلة حين تنفصل عن أجوبتها.
⸻
كيمياء الوحل
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 21.10.2023 | نُقّحت 01.10.2025
1
بركةٌ من وحلٍ لزج،
أصفرٌ مرتعبٌ من نفسه،
يتمدّد مترنّحًا ويطلق فقاعات هواء،
كأنها أنفاسُ سجينٍ أفلت عاريًا.
مع كل فقاعة يرتجف الوحل،
كأن أشباحًا توقظه من سباته.
يخشى الشمس
أن تكسّره إلى أشكالٍ هندسية،
وتذروه غبارًا لا يعترف به أحد.
حتى أرجلُ البطّ البري تُفزعه،
لا تمنحه فرصةً للراحة،
فالخوف لا يترك وقتًا للغبطة.
والغبار فناءٌ لا رجعة منه،
ولو جاء الطوفان، فلن يجمعه.
فالخوفُ له مراحل،
كلها مهلكة لمن يتبعها…
وأقساها الجفاف،
حيث ينتهي الخوف بانتهاء الكيان،
ولو صار غبارًا،
ارتقى الخوفُ إلى موتٍ بلا ظل،
وبدأ الفناءُ يبحث عن صورةٍ لا تُرى.
2
الوحل لا يتذكّر
كيف تفاعل المطر مع أملاح الأرض،
مَن غلب قوامه؟
ومن انهزم فأنتج الخوف…
دون مرسومٍ تشريعي،
ولا ملاحظاتٍ بائسة
عن هزلية الجفاف وولادة الرعب.
المطرُ سيّدٌ لا يزول،
يخدش الكيمياء،
ويدفع بها لتقول كلمتها… ثم يتبخّر.
ويترك البركة حزينة،
فيها كيمياء لم تُغْرِ الأرض:
لا فراشات، لا ضفادع،
ولا بذور وردٍ تستعدّ للميلاد.
حتى البطّ يضلّ طريقه
في صمت المكان وشُحّه.
الكلّ يشعر أن الكيمياء انتصرت،
ويفهم أن للبقاء صورًا أخرى أشدّ قهرًا،
إن لم تكن السعادة قد انتهت في التفاعل.
3
تعاطفتُ مع المأساة،
كغريبٍ يتطلّع إلى ولادة البهجة.
التقطتُ عصًا وتحسّستُ الوحل بحذر،
وهمستُ في خوفي:
المطر يختار مواقعه
دون وعدٍ للينابيع.
ربما تعثّر نبعٌ هنا،
أو دار النهر في جوفه،
فصار بركةً تحت الأرض،
ينتظر موعدًا آخر للبهجة…
ربما يخجل مني،
أو يرى ميلاده سرًّا لا تُدركه الأبصار.
فالسماء لم ترحل،
والغيوم لها عفويتها في التكوّن،
لا مجال للشكّ في خصوبة الغيم.
أمّا المقهورون:
فصبرهم ملح، وأملهم نافذ.
سيعود النبع، وتنتهي هزلية الوحل.
لم يكن لنا موعدٌ مع البهجة؛
ربما نمرّ بها ولا ندري،
وربما يتنفّس الوحل
منتظرًا نبعًا أرقى
من عبث أقدام البطّ.
4
المطر طفل غارق في لهوه،
والغيم أمّ ترعى الرياح وتبعد الضباب،
والأب يلوّن قبّة السماء
ببياضٍ يشبه زغب البطّ بعد الولادة.
والوحل، لقيط ممزق الوجه،
كلامه فقاعات هواءٍ
لا وزن لها في عالم الكيمياء القاسية،
يترنّح ويتخمّر
ليصير كحجارة الفقد الأخير.
خطوتُ في الوحل،
أفتّش عن نبعٍ خان النهر،
وتركه بركةً صفراء تموت… أي موتٍ هذا؟
لابدّ من العدالة ليستقرّ الكون.
سأجلب ماء النهر، لابدّ من البركة؛
لا يمكنني أن أرافق موتها،
كأنّ الموت صورة تحملها العيون.
ما أعقد الحياة حين قررتْ
أن يكون لنا بداية ونهاية.
لكن نساء الشياطين سبقنني،
قفزن إلى الوحل،
وتعرّين من أحمالهن الأزلية:
بؤس، شقاء، وكراهية الغاضبين،
سبحن كأنهن في ماءٍ صافٍ،
وأنا مقيد حتى الركبة
في كيمياء الوحل.
لم أرَ شيئًا يخيفني أكثر من سباحة الوحل.
نسيت النهر،
تبددت رؤيتي بحثًا عن الطمأنينة،
وهنّ لم يدركن خوفي.
شعرتُ بالانتصار،
وصرتُ عملاقًا في الوحل،
أحمقًا مبتهجًا،
والبركة الصفراء تضع قناعها على وجهي.
سقطتُ محتارًا، نزق الملامح،
أقرب إلى البكاء منه إلى مواساة الأرق،
وأعلنتُ صراعي مع وحلٍ يعشقه أعدائي:
يومٌ فيه الخوف مباركٌ من اليأس،
وحلٌ لزج، ونساء شياطين يمرحن بلا حشمة.
5
في البركة شعرتُ
أن الوحل أقوى من أي جسد،
أنا مقيد بحريتي.
رقصوا حولي ضاحكين،
وأجسادهم شفافة، رقيقة،
بلا ندوب، بلا نفور
من رائحة الوحل الأصفر المظلوم.
سكبوا في الوحل، فتصرخ امرأة بلا ملامح.
قلت: امسكوني لأراكم…
ضحكوا وقالوا: لو أمسكناك لعاد النبع وغرقنا.
كانوا سعداء، يطلّون نهودهم بملح الأرض،
ويستهزئون من وجودي معهم.
حينها جاءني الندم،
حملني جبلٌ من الألم:
كيف أشارك الشياطين بهجة الوحل؟
تمنيت شمسًا تتبخّره،
أو مطرًا يغرقه،
وأن يعتذر النبع عن وقاحته
في خذلان النهر المقتول عمدًا.
لكن الشمس هربت،
والمطر اشتد،
وغصتُ في الوحل من كل الأطراف.
ضحكوا ألف مرة وقالوا:
“يستنجد بالشمس ويستجدي الغيوم،
أحمق يغضب وسط سعادتنا!”
لم يتوقف رقصهم المخيف،
ولم يحدثوني عن الخوف.
صرخت: أين خوفكم؟
فضحكوا:
الخوف ظلّ،
لا يُرى، ولا يُمسك،
لكنه يلبسك حتى العظم.
ليس هذا موعدي مع بهجة السقوط،
البركة اتسعت،
شياطين جديدة هبطت،
صنعوا عرسًا، ووضعوا كرسيًا،
وزوّجوني من الخوف.
شعرتُ بالذنب…
الحقيقة المرّة أن أكون مذنبًا،
وحجتي: حبّ استكشاف الشياطين.
علّهم يدركون منابع الخوف.
كيف أنقذ الوحل… وأنا زوجُ التفاهة؟
هل أصلّي للمطر؟ وهل يقبل المطر؟
ونسيتُ أني شاركتُ الشيطان متعةَ الغباء.
إن هطل المطر، وعادت البركة،
ينتهي عارُ الأفكار العقيمة…
يا ليت
المطر يهطل لينسيني العبث.
حين يهطل المطر الأخير… وتعود البركة إلى زهوها،
يختفي عبث الوحل،
ويُستعاد الصمت،
الذي يقهرنا بمحض إرادتنا،
ما أصعب أن يتشتت الجمال في الجفاف.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .