الأربعاء، 22 أكتوبر 2025

أرض البقاء بقلم الراقي طاهر عرابي

 „أرض البقاء“

(قصيدة نثرية ملحمية للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – كُتبت في 26.07.2023 | نُقّحت في 22.10.2025 


هي نشيدٌ من منفى القلب.

وليست قصيدة غضب، بل صلاة مؤجّلة وعرس ضائع.

كُتبت من المنفى، عن وطنٍ لا يغيب عن نبض القلب.

فيها تتجلّى فلسطين كأرضٍ ومعنى ومصير.

وتنكشف خيبات الداخل العربي على إيقاع منفى لا يهدأ.

قصيدةٌ مشحونة برمزية صافية.

تتأرجح بين الخيانة والرجاء، بين الغياب والوعد بالولادة، حتى من التابوت.

إنها شهادة من بقي يؤمن، أو من تظاهر بالنسيان.

لكنها في جوهرها: مرآتنا الأخيرة.

إنها فلسطين…


ــــــــــــــــــــــــ


أرض البقاء


1


صباحٌ يطلّ علينا حاملًا نفاياتٍ من ضوء النجوم البعيدة،

تكفينا نحن البشر لنرى الوجوه المستعصية على النور،

وبعض صور المهزومين العائدين لصياغة أفكار الموت.


سيبتلعون الضوء برماد الحطب قبل أن يرشُفوا القهوة وحديثهم عن أحوال القيم.

تعلّموا الكراهية للبقاء على حافة منحدر،

يدفعونك كأنهم يلقون بحجرٍ يتدحرج إلى مثواه الأخير،

ويبقى شيء لا ينكره أحد:

“الإجرام المتنكر بالكذب”.


نعلم أن الذكريات لا علاقة لها بالأضواء،

ولا بزوال الليل المتعب من الكذابين.

الكذب لا يميل لحب الفصول الأربعة وما تحمله من نزاعات وفوضى

بين السماء والمطر، بين الرياح والصقيع،

ولا حتى الندى الذي يزاحم الجميع دون درايةٍ بفيزياء الولادة العظمى.


كلّ شيءٍ يسترخص نفسه، لكنه يتشبّث بالبقاء.

لا النحل ودّع الورد…

ولا الفراشة خرجت على الشرنقة…

ولا الندى طالب تعويضًا من المطر.


الكل يتابع، والبعض يرى في الحب نزهةً إضافية لقتل الرتابة.


2


نحن لا نملك القهر، ذاك المسجّل في ملفاتهم…

نحن مقهورون بلا خرائط أو منعطفات.

لكن عندنا من الصبر ما يكفي لغسل الوجوه المقنّعة.


هم يختفون خلف أسماء مستعارة تشبه أسماء الثعابين…

للاحتيال على واقعٍ معجونٍ من وقاحتهم.

وقد تجاوز الواقع التعفّن، وصار رهينةً في مخالب الكدر.


ذاك الواقع المنحدر منذ أن نُصبت أعلام الدول الخشنة…

لتكون ممالك للنفط والخسائر على أطراف البحر المرّ.


لا يحق لنا الكلام عن العفن…

ولا عن رائحة الوهم…

ولا حتى عن بقايا الكرامة…

ولا يحق للحق أن يظهر في هيئة الموجود.


التحايل على القيم هو الكذب الذكي…

وهو الخيانة في وضح النهار…


الزمن علّل خيانته بالواقع…

فاستيقظ الزنديق فينا.


لا تبحث عن من يحبك في عشيرتك…

أو يمنحك البقاء وأنت متخفٍّ خلف جدار منهار…

إن باعوا الأرض باعوك…

واتهموك بالجبن لأنك كنت ترقب الأعداء…

تكره ما لا يمكنك نسيانه دون ثأر.


ليحفر كلٌ قبره مع خيانته…

ويضع فوقهما علمًا أسود… لن تهزه ريح حتى يموت.


3


هدّدوك لتتعب في الشقاء…

ولتذوب كذبابةٍ دخلت النار…

ضيّقوا عليك ثقوب القلق…

وسدّوا ممرات الانفلات…


فصرت كدودةٍ استُهلكت في متاهات الأرض…

تخرج لتودّع جلدها…

وتعتذر للخدوش عن فقدان الهواء…


هدّدوك لتترك التاريخ…

وتركوك تحترق دون محامي… وحرقوه معك…

سيقلقون منك حتى لو سكنت القطب…

وتعلّمت العيش مع الدببة…


يُطفئون المصابيح ليُخفوك عن أصدقائهم الجدد…

وُلدوا في بيوت من حجر الرخام…

يستحمّون بالعطر والصابون…

ويُجدّدون الأمل في بقاء النفط…

حتى يرثهم آخر مولود… ويُسمّونه بزهو: “أمير الخسائر”…


وأنت؟

من يذكرك إن لم تذكر نفسك؟


عرسٌ ننشده… لكنه ضائع…

ما زال معلّقًا على أطراف النخيل وذوائب شجر الزيتون…


الكل يحاول إلغاءك من ذاكرة الملائكة…

ومن حسابات الأديان…

ومن لغة العرب…


ويُلغي حتى الأخلاق إن اعترضتَ الغزاة في طريقهم إلى دمك… وإلى من تُحب…


استنصر لنفسك…

ولا تفكّر بها إلا بقدر الوجود…

فالأرض جدارٌ مرتفع يمنع عنك الصدود…

الصق أضلاعك بها، أرجوك…


الكل يحثّك فجأة أن تُطلَى بخزيهم…

وتُلقَّب بالأحمق:

عباءات… وحطّات… وتيجانٌ من ورق…


ويُحمّلونك مسؤولية انخفاض الذهب…

وارتفاع معدّلات الكرامة…

لا عرس يُعلّق بسلالهم، لينجب عصافير الفرح…

ولا فرحٌ يلد عصفورًا في الرماد…


4


وهم إخوتي الغرباء عن مصيري في وعر الطريق…

كانوا مستأنسين في بيتٍ من شعر الجمل…

ومرحاضٍ بوسْع الصحراء…

تحت سماءٍ ظنّت نفسها ترسل الأنبياء على المنبوذين…

المتقاتلين على ظلّ شجرةٍ…


يتصالحون؟ من أجل من؟

وهم على أرضهم… مقابل أرضٍ ليست لهم؟

يتصالحون بغباء الحرامي…

سرق جيبه ونام سعيدًا… بثقافة السخرية…


سينتهي النفط…

وسينتهي النخيل المزروع في المقعد الخلفي لعربات لفيراري ورولز رويس البوليسه…


وستصدأ لآلئ البحر…

ويعود التاجر العربي ليرى في الإبحار صلاةً وغرقًا…

الهند بعيدة… وعكّا صارت محرّمة على العبيد…


كيف تُصالح… وأنت محروم من هويتك؟


5


نتبادل التجارب مع بقايا الخبز الوطني…

سنابله من ضفاف أنهار العرب…

لم نتبدّل في سوق الحق…

ولم نتاجر بدماء الغرباء…


دمُنا هو من وُضع في محراب جيوش العرب…

وتحت شعارات الدول الصديقة…

وما زلنا نَسخو…

نطهّر السماء من شوائب رسائل المنبوذين والغرباء…


فأين نذهب لنخفي الشقاء…

إذا كانت أرض العرب لا تحتمل مخيّمًا للعودة؟


على عتبات بيوت العرب يقف المخبر…

من حيّنا المشبوه بالفقر واللوعة…

تعلّم حب السلطة وكرهنا بسبب الجشع…


كيف تبدأ؟

تلك المروءة التي نسينا؟

نتصالح… مع من؟

وكأننا نكتشف في الخسّة… روعة…

من أنت لتقول لهم من أنا؟


الكلّ خاسر في التجسس والنفاق…

حتى لو ظنّ نفسه رابحًا…

لمعطفٍ أسود، نتن…

يفوح برائحة المؤامرات على الوجود…


6


نغوصُ في فوضى المعاني…

نغرق… نغرقُ في آبارنا دون مقاومة…

نستسلم بصمتٍ لنهاية الفكر…

أمام جدارٍ منيعٍ يذيب آمالنا…


حجارته الموضوعة للأبد وُضعت صدفةً للحماية من زجاج المطر…

يبدد الظلام… ويمنح لمحةً من الضوء…


نتسلّق دروب أسلافنا في المتاهات…

نُوقد سرًا… شرارة فكرٍ جديد…


في سنوات التجديد… من علّمنا أن الرعاية هي الرسالة التي نرغب فيها؟

من يتحدّث عن الماضي في عالمٍ بلا زمن؟


الأمم تهرب من الأشباح… غير مستعدّة أبدًا…

يستقرون في حديقة الوهم…

منتظرين الكلمة الأخيرة في ارتباكهم…

سيطول الانتظار الأبدي… فماذا ننتظر؟


فلسطين كسوةُ العرب… ومن تركها قد تَعرّى…

فلسطين لا تمرّ من خرم الإبر…

هي بحرٌ من ذهبٍ وياقوت…


من لا يحبّها فقد خسر…

ومن خسرها فقد مات…

وهو وحده سيرى كيف يموت…

عند غروب آخر ضوء من جعبة السماء…

حينها يكون الزمن قد فات…


وسنولدُ حتى في التابوت…

ونخرجُ مع صبرِ الضوء وقت الانفلات…

سنفتّش معً

ا عن مصباحنا القديم…

ونتفقدُ الوجوه…

لا بدّ لنا أن نتعرّف على “أرض البقاء”…

لنجد مصيرنا منذ أول زرقةٍ كَسَت السماء…

وكتبت الأرض الفلسطينية وثيقة الحياة الوحيدة…


وما زال الضوء ينتظر اسمه…


طاهر عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .