🌅 تجلّيات الفجر
بين خيطين..... من نور وظل
حينَ انشقَّ الليلُ عن خيطٍ أبيض،
تلوَّنتِ السماءُ كوجهِ وليدٍ
يغتسلُ من ظلمةِ الرحم،
ورأيتُ وعدَ النورِ في أوّلِ أنفاسِه،
يُتمتمُ بآيةٍ من زمنِ الخلق:
> ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾
فأبصرُ الكونَ في سكينةِ الخلق،
ينسلُّ الضوءُ من رحمِ الظلمة،
كأنَّهُ وعدٌ باليقين،
أشعرُ أنَّ في داخلي خيطينِ أيضًا،
أحدُهما من نورٍ،
وآخرُ من عُتمة،
يتجاورانِ كما يتجاور الدم النقيّ بالعكر ،
ولا يختلطان.
هناكَ، بينَ الضوءِ والظلال،
خَطٌّ فاصلٌ كأنّهُ سرُّ اللهِ في الكون،
يرسمُ للنهارِ حدَّهُ،
ويقولُ للظلامِ: قفْ عندَ أطرافِ الرحمة.
وفي داخلي
نورٌ يسكنُ أوردتي،
وعُتمةٌ تتربّصُ بقلبي،
يتجاورانِ كما يتجاورُ الدمُ النقيُّ بالعكر،
وحاجزٌ رفيعٌ بينهما،
يصونُ النبضَ من اختلاطِ الحياةِ بالموت.
أتأمّلُ الحدَّ بينَ الخيرِ والشرِّ فيَّ،
بينَ نقاءِ الدمِ وصدأِ الوجع،
وأتساءلُ:
كم من ليلٍ يسكنُ أعماقي؟
وكم من فجرٍ ينتظرُ أن يولد؟
هناكَ… في أقصى البحر،
صوتٌ آخرُ يُناديني،
صوتُ الآيةِ العجيبة:
> ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾
يا لجلالِك يا ربّ،
عذبٌ ومالحٌ يلتقيان،
يتلامسان كعاشقينِ لا يجرؤانِ على الخطيئة،
ويحفظُ بينهما السرُّ الإلهيُّ الدقيق،
لا أحدَ منهما يبغي على الآخر،
كأنَّهما تعلّما الطاعةَ من أمرِك،
والخشوعَ من هيبتِك.
وأدركُ أنَّ القلبَ أيضًا فيه برزخٌ خفيّ،
ففيه أذينانِ وبُطينان،
يفصلُ بينهما حاجزٌ معجز،
يحفظُ تدفّقَ الدمِّ في نظامٍ بديع،
لا يختلطُ النقيُّ بالفاقدِ للأكسجين،
ولا يطغى جانبٌ على آخر،
كأنَّ القلبَ يهمسُ لي:
كما جعلَ اللهُ فيَّ حاجزًا بين دمٍ ودم،
جعلَ فيكَ حاجزًا بين خيرٍ وشرٍّ، فاحفظه.
وفي الحلمِ برزخٌ آخر،
الروحُ فيه بينَ نومٍ ويقظة،
بينَ الغيبِ والمشاهدة،
كأنّها تتدرّبُ على الموتِ في كلِّ ليلة،
> ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾
وحاجزٌ في الغيب،
لا نبلغُهُ بعقلٍ ولا علم،
فهو سرّك الذي اختصصتَ به ذاتَك،
> ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾
يا خالقَ الفواصلِ والحدود،
يا خالقَ الفجرِ والبحرِ والقلب،
علّمني كيفَ أكونُ كالماءِ حينَ يُطيعُ أمرك،
وكالنورِ حينَ يتقدَّسُ بطهرك،
وكالقلبِ حينَ لا يطغى فيه شرٌّ على خير.
علّمني أن أكونَ كما خلقتَ الأشياءَ:
لكلٍّ حدٌّ، ولكلٍّ غاية،
ولكلٍّ سرٌّ لا يراهُ إلا المؤمنُ المتأمِّل،
ذلك الذي يرى في كلِّ فاصلةٍ من الكون،
وفي كلِّ برزخٍ من القلب،
آيةً تُذكّرهُ بأنَّكَ أعظمُ من الظلمةِ والنورِ معًا.
إلهي،
اغسلْ قلبي من كدرِ الدنيا،
واجعلْ لي حاجزًا من رحمتِك،
يصدُّ عنّي ما يُفسدُ نقائي،
واغمرني بدفءِ حضورِك،
واجعلني من خيوطِ النور،
لا من ظلالِ الغفلة.
يا من أحببتُهُ حدَّ الهُيام،
يا من لا دفءَ يُقارنُ بحنانِهِ،
ولا عشقَ يسمو فوقَ حُبِّه،
خذْ بيدي إلى فجركَ الأبدي،
واجعلْ قلبي بحرًا لا يطغى،
ونوري خيطًا لا ينطفئ،
يا حبيبي، يا الله... 🌅
بقلمي عبير ال عبد الله 🇮🇶
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .