"الثابت الجاري"
*حوار بين القلم والنهر*
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 29.04.2025 | نُقّحت في 20.10.2025
((أن تكونَ الثابتَ الجاري… هو أن تكتبَ وتفيض، وتذوبَ في الآخرين دون أن تنكسر.))
في عالمٍ تتبدّل فيه المعاني كما تتغيّر مجاري الأنهار،
تظلّ الكلمة وحدها مرآةَ الثبات والجريان معًا.
هذه القصيدة ليست حوارًا عابرًا بين القلم والنهر،
بل تأمّلٌ في عمق الحرية، والعدالة، والهوية،
وسط صخب الجدل العقيم وخرائب الماضي المفروض علينا.
هنا، القلم ليس سلاحًا، بل ضميرًا حيًّا،
والنهر ليس مجرّد مجازٍ للزمن،
بل كائنٌ يُصغي، ويتساءل، ويشهد.
هذا نصّ يُتلى بصوتٍ داخلي،
ويُقرأ كاعترافٍ شجاعٍ بأن أجمل ما في الإنسان
قدرته على الذوبان دون أن ينكسر.
⸻
1
التفتَ القلمُ إلى ماءِ النهر الجاري بترنيمةٍ
تبعث اليقظة في السكون، وهو يكتب:
أرجوك،
خُذ معك جَمْعًا من الكلمات،
انتهيتُ منها بعد أن قرأتُ الوجوه،
وتفحّصتُ إحساسي لأسبر المخفيَّ في النفوس.
جمعتُها وكتبتُها كلّها مخلوطةً:
منها الرقيق، ومنها القاسي، ومنها اللئيم.
خُذها وبَعثرها في مجراك، وعلى ضفافك.
أرجوك، لقد أثقل الكلامُ الحبرَ.
ولا تسألني: ماذا كتبتُ؟
فليسَ لكَ أن تسأل،
وليسَ لي أن أُجيب.
هم من يلتقطونها حسب رؤيتهم،
ساهرون إلى مراياهم من الكلام.
انظرْ إلى من يلتقط كلامَ الحب والمودّة:
هذه ضفدعةٌ ممتلئة،
حوّلت رقبتَها إلى فم،
تنعق وتنشر غيظها على تغريدة العصفور،
فهمت أنّها لا تصل إلى ما وصل إليه،
فالتقطت الغيظ.
أم وردةٌ مفترسة، لا جمال ولا عطر يؤويها،
صنعت من فمها مدخلًا للنسيان،
فمٌ مصيدة بأسلاكٍ شائكةٍ
تقتل كلَّ من يكتشف سرّها.
أم سمكةٌ شقراء،
بزنارٍ فضيٍّ يحميها من بريق العيون،
وضعت بيضها ونامت على حلمٍ،
بماذا سيفقص البيض؟
أسماكٌ تبحث عن صيّادٍ،
وتنتحر قبل بلوغ الزفاف.
الكلّ يسعى لملء وجوده:
حبّ، فراغ، جشع، وِداد، ومرونة.
ولكن، وبصراحةِ القلم،
لا أدري كيف نفهمُ بعضَنا ونحن مختلفون:
أنتَ الجاري، وأنا الثابت.
لكنّ الثابتَ يفهم،
وله فلسفةٌ تتكسّر، تتلظّى، وتبدع في وصف الوجود.
ولكن، إذا كان الألمُ هو هدفَ الأشرار لغرسه في قلوب الناس،
فهم ليسوا أشرارًا فحسب—
إنّهم مجرمون،
وعابثون بقانون الوفاء للقيم،
يُخرسون الحبر،
ويتمنّون أن يبتلعَه الورق.
وأنا لا أوافق أن العقاب يبدأ بعد الجريمة.
كم من ألمٍ في قلوبنا
دون جريمةٍ يعاقبها القانون؟
وكم من قانونٍ لا يُدرك معنى الألم؟
2
تنهدَ النهر،
وجمع كلماتٍ كثيرة؛
منها من اختفى تحت الحصى،
ومنها من تسلّق الضفاف للهرب،
ومنها من تكوّر مثل عين السمك،
ثمّ ركبها… وقال:
لا تُصدّقْ أنّنا لا نستطيع البقاء سُعداء
إلّا بوثيقةٍ رسميّةٍ من أولئك الأشقياء.
وهذا ضربٌ من الخيال،
أن نبني عالمين:
واحدًا للهمجية والفوضى،
وآخر للحبّ.
أهونُ عليَّ أن أتوسّلَ للنبع كي أعودَ إلى باطن الأرض،
من أن أتوسّلَ لمن حمل شوائبه وجاء
ليمزّق سكينُهُ جرياني.
كنت أظنّ أنّنا لسنا بحاجةٍ إلى ملصقٍ على جبهاتنا
لنُثبت أنّنا لا ننتمي إلى البؤس،
ولكنّنا أضعفُ بكثيرٍ من نزقِ القساة،
وهم يبحثون عن الضحية.
أنتَ وحدك حارسُ السعادة،
وهذا وحده عملٌ عظيم.
أرجوك، ابقَ كما يجب أن تكون—
ففي السعادة عروشٌ
تمنحك ملكيّةَ النفس،
وصوتًا، إن سمعه الغافلون،
أشعرهم بالفقد،
ودفعهم للانتماء
إلى ما هو أسمى من البؤس…
أن تكونَ الثابتَ الجاري،
هو أن تكتبَ وتفيض،
وتذوبَ في الآخرين… دون أن تنكسر.
يا ليتني تعلّمتُ اللغاتَ لأصرخ،
يا ليتك تعلّمني كلماتٍ أدعو بها لليقظة.
3
جرّ القلمُ نفسه على الورق وكتب:
لم نعد نرى أنفسنا داخل الصندوق الموروث
بتفاهاتِ الآخرين،
ولم يعُد بإمكاننا معرفة تفاصيل الماضي.
ولسنا آسفين.
ها هي الأكاذيبُ التي تعلّمناها تتساقط،
ويُصبح الجدلُ حولها بلا معنى.
لقد أصبحنا أحرارًا،
ولم يبقَ أمامنا سوى فهمُ الحرية.
وهكذا انتهى مشوارٌ مزيّفٌ لم نبدأه،
فرضوه علينا،
ثمّ اختفوا تحت أشرعةٍ سوداء.
فليرحلوا…
وليمتِ الجدلُ العقيمُ بيننا،
فالجدلُ حول الماضي هو داءُ المستقبل،
وعداوته لا يوثّقها إلّا السفهاء.
انقلْ كلامي، أيّها النهرُ الوديع،
وأنا الثابتُ، وأنتَ الجاري،
ولا حجّةَ حتّى للحصى
بأن ترى نفسها حبيسةَ الأرضِ والماءِ.
يا ليتني ما تعلّمتُ اللغات،
لأكتبَ الصمت، ولكنّي عرفتك قبل فوات الأوان—
أنتَ الجاري، وما أجملك.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .