من أحابيل الغياب
بقلم: حميد عطاالله الجزائري
كانت امرأةً تمارسُ رياضةَ الغياب كما يُمارسُ الناسُ الجمباز، تنقلب على القلبِ كأنّهُ خشبةُ عروضٍ لا هيكلُ حياة. ظنّت أنّ الخفقةَ صفقةُ جمهورٍ، لا أنفاسُ محبٍّ يرتّل سرَّه في ليلٍ مجهول.
دخلت الروح بلا استئذان، وخرجت تاركةً الباب مفتوحًا، كأنّ الأمانَ حيلةٌ لا تحتاجُ إلى قفل، وكأنّ السرقةَ لا تكونُ من خزائن العاطفة. في دفاتر الوجدان، صارت خانةً محذوفةً من جدولٍ مستنفد، فكرةً أُتلفت في أرشيفٍ لا يقرأه أحد.
أطفأت القمرَ مثل غيمةٍ سوداءَ تنهشُ عظمَ الضوء، وتركت القلبَ محرابًا مظلمًا بلا قنديل، فلم تُصلِّ في جنباته، ولم تُنشد تراتيله، بل ارتدّتْ عن طقوسه كعابدةٍ هاربةٍ من قَدَرِها.
كلّما حاول القلب أن يغتسل من أثرها، انبعثت الحروف المقطّعة كأشباحٍ تئنّ تحت لسانه. ارتباكٌ كالبرق، رعشةٌ كعينٍ لا تهجع، قصيدةٌ لم تُتْلَ لكنّ أصابعها تركت دمغتها على الورق كجُرحٍ يُعرّف نفسَه دون كلام.
فلسفتها لم تكن فكرًا، بل غابةً من غموضٍ نبتت فيها أشجارُ النسيان. تشبه فيلسوفًا هجر الحكمةَ ليتدثّر بالليل، ناسياً أنّه ابنٌ وأبٌ وأخٌ، متبتّلًا في رهبانيةٍ لم يعرفْها قطّ.
صوتها الذي تماهى مع السماع، انكشف سهمًا من زجاج، يلمع للحظةٍ ثم ينغرس في اللحم. دموعها جَرَت بلا أثر، كأنّها دمعُ نبيٍّ يتردّدُ في الدعاء على قومه، يخافُ أن يُطْبِق السماءَ على الأرض.
إنّها ليست امرأةً بل معادلةٌ عصيّة، لغزٌ تُسطّره الأقدارُ بأرقامٍ غير قابلةٍ للقسمة. حتّى كارل فريدريش لو عاد، لتلعثم أمامها كطفلٍ يتعلّم العدَّ إلى عشرة، ثم ينسى الطريق قبل أن يكتمل النطق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .