الخميس، 4 سبتمبر 2025

كلمات تحت خطى الأقدمين بقلم الراقي سيد حميد عطا الله

 كلماتٌ تحت خطى الأقدمين

بقلم : سيد حميد عطاالله الجزائري 


هنا، حيث الخطوة ليست خُطوة بل وشوشة روح، وحيث التراب يتحول إلى مصحفٍ منقوشٍ بالآثار، تتكشف أسرار المكان.

هنا آثار طفلٍ يحبو كأنه يخطّ على وجه الأرض سورة البراءة الأولى من الغياب، وهنا عصا عجوزٍ تغرس ظلها في الرمل كأنها منارةٌ أخيرة لعابرٍ يتأهب للرحيل.


الصراخات لا تُسمع بالأذن، بل تُرى في ارتجاف الضوء، في رعشة الظلّ على جدار الذاكرة. والنسيم ليس مجرد هواء، بل أنفاس خرجت من صدور العابرين، تعبت من حمل الفرح فأطلقته في الطريق مثل بخورٍ يتلاشى ولا ينطفئ.


الآلام تسللت من أجسادهم إلى الريح، فتقمصت هيئة غبارٍ يلفح العيون؛ كل ذرةٍ منه حكاية لم تكتمل، وكل دوامة فيه نواحٌ قديم.


وحين تُزاح جلدة الأرض، تُقرأ الوصايا: وصايا مبعثرة، كل كلمة فيها بحر من ألم الوداع. وصية ظلت محبوسة في لغة الصمت، وأخرى دُفنت مع صاحبها كأن دموع ذويه كانت ضحكًا متنكّرًا في لحظة البكاء الأخير.


ذرات التراب تهمس للآذان بنعومة الرحيل؛ هي ليست كتابًا بل ديوانًا سجّل كل صغيرة وكبيرة.

وإن فتّشت بين أسطره، قرأت هنا أمًّا تلقي ماء الغسيل كأنها تعمّد بيتها بالحنان، وهناك أخرى تسجّر تنورها بلهيب الأمومة. ستقرأ دموع منتصف الليل، وآمالًا تدحرجت مع الريح فطُويت قبل أن يُطوى الكتاب.


أترى أن صفير الليل تطلقه الجنادب والصراصير؟ لا، إنه حكايات بصوتٍ لا صورة له؛ لغة الأرواح العتيقة. هو عتاب حبيبة استبطأت حبيبها فلم يعد، وهو موالُ أمٍ ثكلى نقلت ابنها من رحمها إلى رحم الأرض. وقد يكون صرخةً انكسرت حتى غدت رموزًا للمستضعفين في ساعة المحنة.


امسح عينيك، لا بالنظر بل بالبصيرة. سترى أن الحجارة لها قلب يخفق، وأن الأشجار تحفظ الهمسات في لحائها، وأن الغبار ليس ستارًا للخفاء، بل حجابًا لا ينزاح إلا لمن طهّر عينه بالدمع.


وحين تنكشف الرؤية، ستدرك أن الماضي ليس ماضيًا، بل حاضرٌ في هيئة غيب، وأن الخطوات التي تراها لم تنتهِ، بل ما زالت تسير في عوالم أخرى.

وأنت إذ تمشي هنا، لا تضيف أثرًا جديدًا فحسب، بل تلتحق بركبٍ قديم، وتصبح سطرًا في سفرٍ أبدي، قصيدةً في ملحمةٍ كونيةٍ لم تُختتم بعد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .