"عمر بلا ظلّ حرّ"
هذه القصيدة ليست مجرد سرد للأحداث أو المشاهد، بل رحلة في الزمن والوجود، في الحرية والخوف، في الغربة الداخلية والخارجية.
إنها محاولة لفهم ما نملك حقًا، وما أخذ منا العمر من لحظات، من أمل، من ضحك، ومن خيبة.
القارئ هنا مدعو لأن يترك خلفه السطحيات، وأن يغوص مع الكلمات في دهاليز النفس، حيث الصمت يتحرك، والقلق يثور، والفرح يختفي أو يظهر كفقاعة زرقاء.
كل صورة، وكل حركة، وكل سطر، هو رمز لصراع الإنسان بين ذاته وبين العالم، بين الحلم والواقع، بين الغياب والوجود.
اقرأ وشاهد كيف يتنفس الكلام معك، يتوهج، ويترك أثره فيك قبل أن يغادر إلى ديمومة الذاكرة.
⸻
عمر بلا ظلّ حرّ
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 12.08.2018 | نُقّحت 24.09.2025
1
تضاءلت أسماؤنا عند المدقّق في وجوهنا
واختفى الصبر العذب من عقولنا
وغزا الشيب طفولتَنا ولم ننسَ أنّ العمر يوم
كمثل صور الوهم في المرايا
ينساب كزبد البحر
لا تحرسه الأسماك ولا يسعى إليه البحر
نرتعد من ذكر المستقبل في حضن الأمهات
وصرنا نخشَى جدران البيوت
لعلها تسمعنا فتشي بنا
أننا نفكر في معنى ليس له معنى
أقل من الصمت وأكثر من صوت الخبز في الأفواه
إذا فكرنا أو حلمنا أو أحببنا أو أملْنا
شيئًا تُسدل عليه الوجوه والشفاه
2
لم أستدلّ على طريق أمضي فيه وأتألّق
حفر عثرات صخور غبار
وكأنني متَّهم
بتعتيم الصباح وبقتل الزنبق
نقف طابورًا ننتظر الحرّيّة
ولا أحد معنا
ممّن ذاق طَعم الحرّيّة يومًا
كلنا غرباء نتلظّى دون أن نعرف كيف يكون الحرف
إذا تدفّق
كنّا وحدنا
والباقون قلّبوا ألسنتهم فينا
كل كلمة قد تحمل معنًى
تُقتل قبل أن تُشكّل أو تُعرَّب أو تكتسب لون الشفق
فسألنا
أهؤلاء معنا
أم يحبّوننا ليحسنوا كيف يقتل العش ويفنى والعصفور قبل أن ينطق
لست مع أحد، أنت حر في مسيرتك بين الأشواك
لا تعر صمتك لأحد
وانطق باسم الحرية حينما تأوي إلى الفراش
تحت اللحاف يكون السمع دافئًا وثقيلًا
بأي صنوف المراوغة لهم الحق في الاختيار
ولنا الحق في الصمت الغريب
وكأننا زوبعة
قتلت رملها وهربت تنبث العقارب تحت الحجارة
وتدلهم على الأعناق لتلدغ الصوت في الحنجرة
وحين علت أصواتنا
قالوا هُس صه اصمت
دعونا نتخلّى عن الحرّيّة ولو وقفنا خلف الجدران
سنكون أحرارًا بين الجسد وظله
وهناك يموت القلق
3
أكلنا بذور الثمر،
وسقينا تراب الأرض بماءٍ ينبت الورد،
وسكتنا لتهدأ الجذور…
صرنا نحلم بجنّة ليست لنا،
فكيف نفهم ما لنا؟
إن دافعنا عن الحق، أو فررنا في القوارب،
صرنا زوبعة مختلّة العقل،
وعجائب النسيان في فنجان، ويمضي العمر بنا،
وهو لم يولد بعد، ولم يتعرف على شكل الزورق.
ميؤوس من السعادة الزرقاء بلون البحر،
غرباء البهجة نتعثر بأصابع البسمة.
أحرار في الضغط على فقاعه الضمير،
نتركها تنفجر في وحدتنا،
لسنا غرباء في وحدتنا أبدًا،
وصوت الفقاعة ينبهنا إلى الانتماء
في فوهة المصير.
4
هذا يزعم الفهم، وذاك متعب،
وذاك سقط على نفسه وعلى النسيان،
يتجمد، يرتعب، يتقلب مثل وحل الوديان.
وذاك فرح، ولِمَ الفرح؟
أصار الفرح عنوانًا للمهزومين.
ما أبشع أن تفرح وأنت مسكين.
شكرًا لمن بات منكم قلقًا،
يتنفس رائحة المهانة من تحت عينيه.
ليس لدينا غسيل نعلّقه،
ولا حبل نمدّه في انحناءات الأفق.
نحن عراة منذ اكتمال النكبة،
منذ انسحاب المتهالكين لحفلة توزيع الدول،
وتنصيب النفاق ملكًا على المنطق.
كل شيء فينا أردناه مكشوفًا… حتى للشياطين.
تعالوا،
فلا يخفى عليكم هذا الجور،
ولا شيء فينا لا يتألم.
التشريد يسري من الإصبع حتى العنق.
ماذا أخذنا من هذا العمر،
سوى حفنة من غبار رمادي،
تعفّر علينا من فوهة براكين القلق،
نتشاور عند المنعطفات ونكره الطرق،
أعطونا مفاتيح لأبواب مفقودة،
وجدنا الجدران، وبئر فيه صدى الغائبين،
في دهاليز الأفق.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .