الأحد، 14 سبتمبر 2025

عتبة المظلوم بقلم الراقي طاهر عرابي

 "عتبة المظلوم"

على عتبةِ المظلومِ يقفُ الجريح، ليسَ لِيُظهرَ ضعفًا،

بل لِيُقيمَ القيمَ في أقصى امتحانها.

هناكَ، حيثُ يتردّدُ صدى الغفران، يتحوّلُ الألمُ إلى برهانِ حياة، ويجرُّ المعتدي نفسَهُ إلى كهفِ البغضاء،

أسيرًا لظلامٍ لا يُنقذهُ النور.



عتبة المظلوم

قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – 15.09.2025


1

سيأتي الجريح حتى عتبة الغفران،

بعكاز، وعينٍ معصوبة،

ونصف لسانٍ خطفته قذيفة، وواراه النسيان.


عند البراءة يتحوّل البريء إلى عنوان،

احفظوا العنوان.


من يذهب إليه؟

يريد أن يغفر قبل أن ينقطع عرق الوجود،

ويستولي العنكبوت على سخاء البشر.


فلديه ألف برهان:

الغدر، والقسوة، والسلب، والقتل…

كلّها يهمس بها الصمتُ مجلجلًا مثل رعد.

ناداه السحاب ليبدأ الغفران،

وتُسقى عطاش الأرض.


رحلة الإنسان تشبه ذاكرة الدنيا في امتحان:

خُلق ليحيا،

قطعتْهُ البشر… فكيف يرضى؟


على الوجه وادٍ من القلق،

يغذيه بحر من الأمنيات.

زوابع نفايات الأمل تثيره،

ولا حول له للشكوى،

فالكل صار على مفترق الطرق.


وجهٌ سيبقى يحاكي الحياة:

زهرُ البيلسان على طبق،

وسادته خدّ زيتونة،

والعين تدل على خوفه على الإنسان

أن تُبعثر وتُمزّق.


وكان له كل الفضاء:

طير يمرح في السماء،

أسماك ترى البحر بعزّة الماء،

شجرة تُثمر… زيتون يضيء،

ورمّان يلوّح بألوانه،

وصباح ومساء… كقاربٍ يمخر أمواج العمر،

حيث اغتيل الوفاء، وتكسّرت الأزمنة إلى أشلاء.


2

عجّلوا لكي يغفر لكم،

قبل أن تثقل القلوبُ السلاحف،

وتنوحَ عليكم زواحف الليل.


عجّلوا، وانظروا القمر:

قد بات لأجلكم يترقّق بالضوء،

ويتموضع على آفاقٍ حلوة،

لا يُغالطه، ولا في القطيعة يُجازف.


فكيف لا تزورونه،

وقد علّق على جدرانكم نداءً عاصفًا،

تنزاح من وقعه الحجارة،

ويموج فوق العين نداء الحاجب؟


هويةُ المعتدي صورةُ البغضاء،

لا تُشبه حتى عُشَّ العقارب.

وشاحُ البغضاء في كهف المصائب،

لن يترقّق لون الوجوه، والجسد شاحب.


من يُلقي قنبلة،

يقتلع نفسه قبل أن يقتلعنا،

ويرتمي خلف جدار

لا يُجيب عليه الصدى، ولا تنهره القيم.


هل يظن أن كعكة العيد تُعجن بطيحين الوعود؟

سنابلُ القمح كتبت وصيّتها،

وصارت خبزًا لتحمل الأفواه مثل حبّات العناقيد.


3

تيقّظوا قبل فوات الأوان.

المرايا تعكس الضمير،

المرصّع بأجندة الفناء.


استحوا من المرايا، واخجلوا منّا.

فلا تفرّوا،

ولا تقدّموا العزاء للحجارة المحروقة.


ليس خلقًا أن تُغلق المعابر،

فلسنا في العشاء الأخير،

ولا في وداع يشبه انتحار الثمار.


وليس خلقًا أن تُحطّموا المصابيح،

وتسكبوا الزيت على الدخان.


لكن الإنسان لا يُقهر:

فهو في خلوده تاج القيم،

وفي حقه… وضَح النهار.


تؤلمني سياسةُ القتيل حين يُتَّهَم،

وكأنه فتاتُ الغدر في زمنٍ ابتُليَ وتعتّق.


ويؤلمني يومٌ يمرّ علينا،

وكأننا نسبقه ليومٍ آخر فيه غرق.


لا حبّ فينا، ولا خير فينا،

إن لم نكن نقف على أرضنا،

ونطلّ على ما تبقّى من الكون،

لننحني للإنسان ونشفق.


4

العتبة… أنتم أمام جريح،

وخلفكم الانهيار،

مثل زبدٍ طافَ على قدرٍ حرق جدرانه.


لسنا وحدنا من يفهم الحق،

ولا نخشى الموت،

وليس لكم في حقّنا خيار.


مذكرةُ الاعتقال بابٌ ينزاح… ويفتح فضاءه.

سينقضي النهار مهما عظمت المآسي،

وسيبزغ الصباح منشدا وكأنه يرتل صفاء الحياة في سمفونية العدل.

لكن الفرق… تصنعه أيدينا،

ولن تثقل الروحُ إن اختفى أولُ خيط نور.

فالأضواء تأتي حُزمًا،

وهي مدادُ قوتنا على التغيير…

وسيحلّ كقمرٍ منير.


من يطمع في بحرٍ يرفضه،

سيغرق زورقُه وتذرو الريحُ شراعه.


ولن تُربح أرضٌ كأنها هديةُ ليلٍ عابر،

فالسماء لا تهب الأوطان في الغياب.


طاهر عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .