„تراجيديا الفوضى“
لا أكتب لأصف العالم، بل لأفضح ما يختبئ تحت جلده المتقشّر، في زمن تُساق فيه الشعوب كأسرابٍ من طين إلى نار. لا أكتب لأبكي، بل لأقاوم الصمت، لأمسك قرن الحقيقة وهي تهرب من بين أظافرنا الملوثة بالانتظار. في هذه التراجيديا، لا شيطان منفصل عن الإنسان، ولا فوضى تنمو إلا في أرضٍ سُقيت بالخوف والتبرير. هنا، أبدأ من الحافة: حافة السكون، حيث يجثم شيطان الفوضى.
⸻
تراجيديا الفوضى
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 05.08.2024 | نُقّحت 21.09.2025
1
عند حافة السكون،
على مقربة من العبث المدروس،
يجثم شيطان الفوضى،
يقيس برودة السلام المتهاوي على أطراف الدول.
تعرفه الدول جميعًا:
جشِع، طمّاع، ملتهب بالكراهية وحب البلاء.
رسائلُه وقحة، سقوطها يكاد يكون ناعمًا، ملتوي الزغب، خبيث.
سينقض على الأرض
بحُزَم أعشاب النار، ترتقي إلى جريمة الفناء مع حمم البراكين،
مسعورًا يعوي بألسنة اللهب منذ مليون سنة،
حاقدًا على الهواء يلوّثه،
يبخّر الماء ويعيده إلى بطن الغيم.
الجميع يفر، لكنهم يخشون الرحيل؛
فالموت صار فكرة تُدركها الحواس بوعي مخيف.
ومن يجرؤ على السكينة الحقّة، إن صارت عرشًا للشياطين؟
2
لن يردع الشيطان شيء؛
ذرائع الحرب تُخبز في أفران جليد بارد،
بلا حياة، بلا مشاعر،
مخبأة تحت وسادة…
لا ندري أين تنام الأشباح.
كنا نظنها في الكهوف، وصرنا نخاف القصور،
في مواجهة رفاهية الحقيقة.
هم فوقنا، متحدون دوننا،
سنصطدم بهم فجأة، كصاروخ أعمى ممزق،
يدمّرنا ويخرج في انفجار الفوضى،
موجودون بألوان رقيقة من أجنحة الذباب،
وعطر سم الأفاعي.
يخلقون دوامة لنا:
زوبعة الباطل وأعصار الحق الذي نملكه،
حتى بعد موت نصفنا… أو أقل،
ودون اكتراث لمن خَلَق.
سنتخبط حتى ينكسر رُبع أصابعنا،
ونبقى نقاوم الفوضى بأيدٍ مشوّهة.
3
تغسل جلودنا أمطار جافّة،
وتجففها شمس شحيحة،
فنعود وجوهًا باهتة في مرايا الغياب،
متيبّسين كتماثيل من وهم مُلطّخ بالوحل الرخيص.
ننتظر من ينصفنا،
بينما ألسن هاجرت وجوهنا إلى تاريخ لم يعطف عليها،
تركها دميه مقطوعة الخاصرة.
نتذكّر الحرب،
وننسى أننا كنا متفائلين بصعود المطر إلى الغيوم مغرّدًا.
يا للبلاهة، نفكر عكس التيار،
حتى لو انقلب الليل، وأخرج الصباح مشدوهًا من بلاهتنا.
نقف على سلم يصعد بمشاعرنا،
ويترك أجسادنا تائهة،
تقع العيون، ويبقى الأمل في الظلام.
4
كنا متفائلين بأن أواني الطعام تكفي للفرح،
لم نطلب سكرًا فوق الملح،
طلبنا أن نكون مبتهجين، ولكل منا شراب وقدح.
لكنهم يعلنون الحرب لتغيير القوة،
فنطرح السؤال ببلاهة:
هل نحتاج القوة كي نغيّرها وتغيّرنا؟
هل الثورة قوة؟
الثورة لا تنتهي إذا بدأت من أجل الحرية،
والحرية تلتهم المشاعر لتروي دراما البهجة المستنزفة.
كلّنا سيبدأ، ولا أحد يرى النهاية
سنكون حذرين إن طالبتنا الحرية بابتسامة صادقة،
فنحن بلا قوة،
فكيف نُخرج الشيطان إلى رؤية الأحرار؟
لم تعد صلاتنا تكفي لدخول البيت بالبسمة
التي ورثناها من حبّ الكبار لميلادنا.
حتى ولو كانت السنابل تكفي،
والمطر لم يتوقف بعد ميلاد الأنهار،
ننجرف مثل الحصى في قاع النهر،
إذا صار النهر هائجًا يلفظ الثراء.
لدينا ما يشجعنا على البقاء،
لكنهم لا يحاربون من أجل الطعام.
لا بدّ من فهم الواقعية الإرثية على حساب الشر،
ولا بدّ من فهم الأخلاق على حساب الجشع.
نبرر غربة القيم في قلب اللهب:
من فتح باب العذاب على مصراعيه،
واشتكى من خلط الأوراق بالغضب؟
ربما نتأثر كثيرًا، ونترك أثرًا أسوأ من نافذة بلا باب.
5
لا نُنصِف الحياة إلا في واقعية الحق،
وفي الإخلاص لما وجب.
هل يتساوى السلام مع الحرب،
حتى ولو وُضِعا في إناء من ذهب؟
أخرجونا من متاهات الرعب.
لم يمرّ جيل إلا واكتوى بخبث الماضي والحاضر،
حتى صار يرى المستقبل محمولًا على ألسنة اللهب.
ينادينا التعب، وننحني مثل أعوادٍ تحمل ثمرًا،
نصفه يرى النصف الآخر عبئًا.
هل في آخر الطريق يوجد بشر صادقون؟
لكن كيف نبقى بشرًا، وثيابنا غارقة في غبار الكذب؟
سنخلعها، ونمشي عُراةً نردد:
“إن كان النصر بعد الحرب، فنحن لم ننتصر.”
لقد تحايل الشيطان علينا،
وأخفى ذوائبه في الكذب.
الشيطان في نزهة، متخفٍ بين سيقان الورود،
يسمع صوت العندليب،
ونحن نلملم أشلاء ما تبقّى،
نودع الموتى في توابيت منهكة،
من صلابة الأرض وبكاء يكاد يشتمنا.
نستحي من غفلتنا،
ونفتح بابًا يطل على قداسة يقظتنا،
نرصد شيطنة الحذر،
التي عجزت أمام أن نفهم ما هو قَدَر،
وما هو صبر،
وما هو الكذب الجميل،
حتى لو كان متخفّيًا تحت الحجر.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .