الثلاثاء، 23 سبتمبر 2025

شهادة تخرج بقلم الراقية كريمة احمد الأخضري

 قصة قصيرة بعنوان:

     "شهادة تخرج"


لا زلتُ أذكر ذلك اليوم الذي ساقني فيه القدر إلى بيتٍ صغير استأجرته عند السيدة سليمة. كانت امرأة خمسينية، أمًّا لستة أولاد وبنت وحيدة. زوجها، الذي ظل سنوات يلهث وراء لقمة العيش من عمل إلى آخر، ابتسمت له الأيام أخيرًا حين عُيّن موظفًا في مؤسسة سوناطراك.


كان يفصل بيننا باب ، يُبقي على شيء من الخصوصية، لكنه لا يحجب ضجيج وصخب أولادها الذي كان يتسرب إليّ كل صباح ومساء. ومع ذلك، لم يكن الأمر مزعجًا، فقد كنت أزور سليمة بين الحين والآخر، أجلس معها على فنجان قهوة، فتنفتح ذاكرتها على قصص حياتها قبل أن تغادر قريتها وتستقر في المدينة.


امرأة طيبة، بشوشة الوجه، يفيض قلبها حنانًا على أبنائها. لكنني كنت أرى فيها إفراطًا في تدليلهم، حتى قلت لها مرةً ممازحة:

ــ ألا تخشين أن يفسدهم هذا الدلال الزائد؟

فضحكت، وهزّت كتفيها قائلة:

ــ إنهم أولاد، كيف لا أدلّلهم؟!


أما ابنتها الوحيدة، سهى، فقد كانت تزورها في العطل. تزوجت صغيرة السن، وأمًّا لثلاثة أطفال وهي بعدُ لم تتجاوز الثانية و العشرين.


في أحد أيام عطلة الشتاء، سنحت لي فرصة الحديث معها على انفراد. سألتها عن دراستها، فخفضت رأسها، وقالت بصوت خافت:

ــ لم أكمل... توقفت في السنة الثانية ثانوي، قبل أن أنتقل إلى الثالثة.

لمعت عيناها بدموع حزن، فأشفقت عليها وسألتها:

ــ أيمكنني أن أعرف السبب؟

قالت بعد صمتٍ قصير:

ــ بسبب أخي أمجد.


حدّقت فيها بدهشة:

ــ كيف؟

تنهدت، وراحت تسرد:

ــ كنا نعيش في القرية، ولا توجد هناك ثانوية. كانت أقرب واحدة تبعد عشرين كيلومترًا، فنذهب جميعًا في الحافلة المدرسية. حين حصل أمجد على شهادة التعليم المتوسط، أبلغ أمي أنني إن بقيت في الثانوية، فسيتوقف عن الدراسة. قال إنه يخجل أن يراني أدرس معه في المكان نفسه، وكأنني وصمة عار!


سكتت، فانحدرت دموعها بغزارة، فقلتُ:

ــ ألم تحاول أمك الدفاع عنكِ؟ إقناعه بأن التعليم حقك؟

أجابت، وصوتها متهدج بالبكاء:

ــ لم تحاول... قبلت شرطه على الفور، ولم تلتفت إلى بكائي ولا انكساري. والأسوأ... أنها زوجتني في ذلك العام، ولم أبلغ الثامنة عشرة بعد.


خيّم الصمت بيننا، حتى شعرت أن جدران الغرفة قد حزنت لأجلها.


قالت وهي تمسح دموعها:

ــ لا أنكر أنني سعيدة مع زوجي وأولادي، لكن... هناك فراغ داخلي لا يملؤه شيء. كأن شيئًا ما بداخلي يهمس دائمًا: "أنتِ لستِ بخير". إنها الحسرة... لأنها ضيّعت فرصتي في مواصلة الدراسة، ولن تعود.


مددت يدي أُربّت على كتفها:

ــ عسى أن يكون الخير فيما اختاره الله. إنها الأقدار، ولسنا نملك إلا الرضا. أليس كذلك؟

ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت:

ــ الحمد لله على كل حال.


نهضتُ، وقبّلت جبينها:

ــ سيعوضكِ الله في أولادكِ، فاصبري، ولا تيأسي من رحمته.

همست:

ــ ونعم بالله.


غادرتُ، وخطواتي مثقلة بفكرة واحدة كانت تدور في رأسي:

كيف لأمّ أن تضحي بحق ابنتها في الحياة من أجل إرضاء ابنها؟


مرت سنوات عديدة، ووقعت حادثة مؤلمة أودت بحياة زوج السيدة سليمة، رحل تاركا لها إرثًا كبيرًا ومسؤولية جسيمة. 

في أحد الأيام، زارتني السيدة سليمة وأخبرتني أن ابنها أمجد يعتزم الزواج والانتقال إلى منزلي. طلبت منها مهلة لأجد مكانا بديلًا، وبالفعل استأجرت منزلًا جديدًا قريبًا من منزلها، وبقيت على اتصال دائم بها، أزورها بانتظام.


عندما سألتها عن خطيبة أمجد، أجابت بفرح غامر: " خطبت له فلانة ابنة فلانة، فتاة رائعة تدرس في الجامعة، وقد اتفقا على الزواج مع استمرارها في دراستها بعد الزواج." في تلك اللحظة، تذكرت سهى وتساءلت كيف ستكون مشاعرها عندما ترى زوجة أخيها، الذي رفض دراستها، وهي تذهب إلى الجامعة. شعرت بالظلم الذي تعرضت له سهى وتساءلت عن مستقبل علاقتها بأمجد.


في عطلة الشتاء، التقيت بسهى بالقرب من منزلي، فدعوتها لشرب القهوة معي. أثناء حديثنا، سألتني عن خطيبة أمجد، فأجبتها بأن والدتها أخبرتني عنها. سألتني عن رأيي في اختيار أمجد، فصمت احترامًا لمشاعرها. 

أضافت سهى بمرارة:

 _أمجد يتصرف بأنانية، يختار زوجة مثقفة بينما منعني من إكمال دراستي.أجبتها بصدق: 

نعم، لم أتوقع أن يختار فتاة تدرس في الجامعة، كنت أظنه ضد ذلك.

 قالت سهى بحزن:

 _لن أسامحه على تدمير مستقبلي، وأتمنى لو أن والدتي تفهم موقفي.


بعد ذلك، ساد صمت بيننا، وتساءلنا عن المستقبل وعن علاقة سهى بأخيها أمجد.


ذهبت سهى وفي قلبها حرقة لن يشفيها طول الزمان، ولن تستطيع اجتياز حسرتها، مادام وجود زوجة أخيها معهم سيذكرها بالظلم الذي تعرضت له.

و بعد فترة تمت مراسيم الزفاف، ومر العرس على أكمل وجه وكان حديث الخاص والعام.


بعد الزواج، كانت سهى تتابع أخبار أخيها وزوجته، وتشعر بالألم بسبب التناقض في تصرفات أمجد. فكانت زوجته تذهب إلى الجامعة كل يوم، بينما رفض أمجد أن تكمل هي دراستها. 

في أحد الأيام، قررت سهى أن تكمل دراستها عن طريق المراسلة، دون أن تخبر أهلها. شجعها زوجها على ذلك، وبالفعل تمكنت من اجتياز مرحلة الثانوية بنجاح و الحصول على شهادة البكالوريا.


عندما علم الجميع بنجاحها، تفاجؤوا جميعًا. حملت سهى شهادة البكالوريا ووضعتها بين يدي أخيها، وقالت له: _أنت حرمتني من إكمال دراستي، لكن الله عوضني خيرًا بزوج يدعمني. ثم قالت لأمها: 

_وأنت يا أمي، سامحك الله، لم تسانديني في حين كنت في أمس الحاجة إليك.


بعد ذلك، انتقلت سهى وزوجها إلى المدينة لتسهيل دراستها. ومرت سنوات الدراسة سريعًا، كانت فيها سهى متميزة في نتائجها. في يوم التخرج، دعت سهى الجميع، بما فيهم أمها وأخيها أمجد.


 عندما نودي باسمها لاستلام الشهادة، ألقت سهى كلمة قالت فيها: 

_أهدي شهادة تخرجي إلى كل من دعمني وشجعني في دراستي، وعلى رأسهم أخي العزيز الذي كان سببًا في وقوفي اليوم أرتدي قبعة التخرج. ونظرت إليه نظرة لم يفهمها أحد سواه.


في تلك اللحظة، شعر أمجد بالندم على ظلمه لأخته، فوقف وذهب إلى المنصة وقبل رأسها أمام الجميع، وقال: 

_شكرًا لأختي التي علمتني درسًا لن أنساه مدى حياتي.

ثم طلب منها السماح وتعانقا و الدموع تجري على خديهما.


فدوّت القاعة بتصفيق الحاضرين، بينما كانت شهادة سهى تلمع بين يديها كأنها شمسٌ بددت عتمة سنوات من القهر.


و كم كان إعجابي كبيرا بسهى وبقدرتها على التعامل بحكمة مع مشكلتها!

 امرأة حققت هدفها في الحياة وحافظت على أخوتها مع أمجد.


07/08/2025

شفاءالروح 

الجزائر 🇩🇿

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .