صباحات رمادية
بقلم: إبراهيم العمر
كل صباح، تنكسر أجزاء مني على عتبة بيتٍ لم يعد بيتًا، بل صار مرآةً مشروخة تعكس وجهي في ألف صورة متناقضة.
أضع قدمًا في الداخل، وأخرى في الخارج، كأنني كائنٌ معلّق بين زمنين، بين هويةٍ تتآكل وأخرى لم تولد بعد.
تذوب ألواني على جدرانه، لا لأن الجدران تمتصني، بل لأنني لم أعد أملك لونًا يقاوم الذوبان.
ينطفئ وهج شبابي، لا بفعل الزمن، بل بفعل التكرار الذي يستهلك المعنى حتى يصير العيش مجرد عادة.
تنسلخ دقائق عمري كما تنسلخ القشرة عن الجرح، وتغادرني الأيام دون أن تترك أثرًا، كأنها لم تكن لي أصلًا.
كأن يدًا خفية، حسودة أو عمياء، مزّقت القشرة التي كنت أعيش تحتها، فخرجت عاريًا من كل ما كنت أظنه أنا.
هل تعبت؟ ربما.
هل فقدت الثقة؟ ليس تمامًا.
لكنني أعي الآن أن دوري كرجل في هذا المجتمع ليس إلا تمثيلًا متكررًا لدورٍ لم أكتبه، ولم أصدّق يومًا أنه لي.
أنا رجل، نعم، لكنني رجلٌ تتنازعه النزوات والدماء البرية،
رجلٌ يخفق قلبه أحيانًا بقوةٍ لا تفسير لها،
ثم يذوب في لحظةٍ أخرى كطفلٍ رضع من ثدي الحنان حتى ارتوى،
ثم مشى على الأرض كنسمةٍ ربيعية، لا تجرح ولا تُجرَح،
يداعب الوجوه المتعبة، يرسم البسمة على شفاه الخريف،
يزرع في بساتين الأرواح شتلات الأحاسيس،
ويكتب للعشق لغةً جديدة، لا تعرفها القواميس.
أنا رجلٌ شبعت من المبادئ، من القيم، من الشرائع السماوية،
لا لأنني أنكرها، بل لأنني لم أعد أجدها في الواقع الذي أعيشه.
واقعٌ لا يترجم شيئًا مما زرعت،
ولا يحصد شيئًا مما نضج في داخلي،
ولا يقرأ شيئًا من دفاتري،
ولا يفهم شيئًا من وساوسي،
ولا يعترف بأي معنى لكلماتي، ولا لأي ظلٍ من ظلال أفكاري.
أنا الآن خارج اللغة، خارج العادة، خارج الزمن.
أنا الآن في لحظةٍ لا تناقش المعاني،
ولا تحاكي المشاعر،
ولا تنتمي لأي معيارٍ بشري.
أنا الآن في لحظة الغيبوبة، حيث الكلمات تطفو كفقاعات الهواء عند درجة الغليان،
وتصعد إلى الأعلى،
وتفيض خارج خوابي الجسد،
وتتركني في مواجهة الصمت،
الصمت الذي يقول كل شيء.
إبراهيم العمر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .