“أصداء المرايا والليل”
في أصداء المرايا والليل لم أكتب قصيدةً عابرة، بل رحلةً داخل نفسي، حيث تتحوّل المرايا إلى خصمٍ ومرشدٍ في الوقت نفسه، ويغدو الليل فضاءً للصراع بين الخوف والوهم والبحث عن الحرية.
تتبّعت الرموز كما لو كنت أختبر ذاتي: أخيليس وكعبه، الشرنقة والولادة، العصافير والفطام، والمحكمة بلا قاضٍ. كلّها أصداء تتردّد في داخلي، حيث تتفتّت الحقيقة وتتماهى مع الخديعة.
أكتب لأضع نفسي – ومعي القارئ – أمام أسئلة لا تنتهي:
هل المعرفة خلاص أم عبء؟
هل تكشفنا المرايا أم تحجبنا؟
وهل الليل عزلةٌ أم محكمة سرّية؟
هذه القصيدة ليست جوابًا، بل مرآة مفتوحة، كلّ من يقرأها سيجد وجهه في انعكاسها،
حيث الحقيقة والخيال يتصارعان في فضاء واحد،
لتكشف عن عمق الذات، ومرايا العالم التي تحيط بها.
⸻
أصداء المرايا والليل
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 07.04.2025 | نُقّحت 10.09.2025
1
أنا والليل مساحتان متداخلتان،
تحاصرنا المرايا من كل الجهات،
تعكس الغيوم وتخفي القمر،
تضحك باستهزاء:
«انبش المعرفة قبل فوات الأوان.
إن كنت تحب رؤية مصيرك، فابحث في جيوب المعرفة».
تذكّرتُ أخيليس، وتفقّدتُ أطرافي:
ملامحي متناثرة على حواف المرآة،
أنفي وفمي زلّا إلى الجدار،
عَيوني ابتعدت،
قدماي عودان من قصب سكر، أبيضتا من كثرة الملح.
أين أجد ضعفي؟
يا ليت الكعب ينطق أو اليد اليمنى تريني الصدع.
أي سخطٍ اعتراني؟
ضحكت المرآة وأشاحت بوجهها.
صرخت: هل تمرض المرايا؟
أم أن بريقها مجرّد خديعة؟
حتى أخيليس نسي كعبه،
أمّا أنا فلست سوى ما أنا عليه.
لا أملك ما يسحر، ولا أطلب ما يسحر.
أهو العبث الحلو… أم الخديعة؟
حين تتمزق المعرفة ينضب العرق،
وكأن المرايا تملك أقفال الإغلاق،
وخديعتنا لا تملك مفتاحًا.
2
لم تنسَ المرايا نهرًا يتلوّى،
يداعب الضفاف، يمازح ببرودة مائه رعبَ الضفادع،
ويعكس وجهي بابتسامة مشوَّشة،
ويضحك من بقايا خلايا مستهلكة شَحبت بالأمس على وجهي،
حين كنت أقرأ مقدّمة الحياة
وتوابع النفس المضيئة،
لكاتبٍ شهير… لم يكتب اسمه،
لكنه كان يتخفّى خلف المرايا
ويرفض الجوائز خشية أن تقتله الشهرة.
مات، وتركوه في مقبرة المؤلفات النادرة،
على رفّ الكتب بالقرب من مصباحٍ لا يضيء إلّا بمسحوق الحروف.
لن يجدوا من يستخرج زيت الحروف
ويُشعل المصباح ولو مرة،
فبقي الظلام على الرفوف يحجب المعرفة.
قال في كتابه:
إنها مصيبة أن تكون يرقةً أو شرنقة،
ثم تمتحن نفسك أمام المرآة،
دون أن تُشعرها بوجودك،
ولا من أي شرنقة أتيت.
تغادر الشرنقة، والمرايا تنتظر الولادة.
مات الكاتب، ولم أعثر على مرآة
تريني ما في الشرنقة من وهم.
وقد كتب عنها كلمة واحدة: «غدًا».
3
وقفت عند حافة الأخلاق، بالقرب من طرف اليقين،
مختبئًا في عتمة الليل،
وحولي أشجار تضع قلادة من معاني البركة،
ثمارها كمصابيح تشبه التفاح الأحمر،
تظلّلني بحياء، كأنني عاشق.
لم أعرها اهتمامًا،
كما لم أُصغِ لأعشاش الطيور،
إلّا في المساحة التي اخترتها لاكتشاف ذاتي.
فبقيت الأشجار مندهشة وصامتة،
والثمار تستعجلني الخروج بلا سبب.
قال عني عصفور بلغ الفطام:
«إنه رجل يائس، لو تفطمينه يا أمّاه؟»
ردّت أمه: «دَعْه يتألم، فلا فطام في المعرفة».
تردّدت في الانفصال عن الليل،
الأكثر خصوبة بين كل من يعشق.
غفوت لأبرّر الكذب، فهربت،
ووجدت نفسي مهزومًا،
أتساءل: هل وُلد الخوف
في وداعه الليل؟
أم أن الشجر يُكلّم العصافير؟
كيف لهم بالمعرفة؟
هل بلغتُ الفطام، وأي فطامٍ هذا؟
4
سمعتُ صدى يهزّني،
من مساحة كانت طيلة الليل صامتة،
وهي عرش صمت الليل المقدّس.
همست تحت العرش:
«الجشع يلد النفاق،
والنفاق مقبرة الحياة.
لا تكن جشعًا، حتى ولو أنك لم تبلغ سنّ الفطام».
قلتُ مرتعشًا:
«لست جشعًا، وكيف لك أن تختار أعداءك؟
أنا الحالم بصفاتك،
سأتحرّك نحو المنتصف
لأرى المساحات الطاهرة،
الخالدة…
من يدخلها، يبقى حبيسًا،
حتى لا تجرحه الأوهام.
سأبقى حذرًا،
وأترك أنفاسي سجينة».
أمّا أنت أيها الهامس،
سيلتفت إليك السجّان،
فيراك حرًّا طليقًا،
تمخر الدنيا كقبطان،
ما القضبان من حولك
إلّا زَبَدٌ،
يزول مع غروب الحيتان.
أقدامك دليلة الزمن،
فمَن يخشى في رهبة المحن؟
دعهم ينتظرون سقوط التفاح الأحمر
من سمائهم الغافية على لون الرماد،
يا لطموح القرود في الحبّ الأزلي للعبث.
لم نعد نتجمّل بالأخلاق،
لِنترك القيم بهدوء القطن، ونراقب قبعة الطيور.
سيُخرجني الصباح قبل أن أرى دموعي شهادة الفشل.
5
لن أكون سيّد التجربة،
لا في خيرها ولا شرّها.
حتى ولو كانت المعرفة عظم التجربة،
أنا أمير، فلاح، مختار، مهزوم…
لكنني لست طامعًا وجشعًا،
ولا يُسهل اتّهامي،
حتى لو وقفتُ عاريًا
على جبل الحشمة والعفّة،
ستراني الأخلاق
بثوبٍ أبيض مطرّز بجدائل الفضيلة.
ضحك الليل مني، هزّ رأسي،
وكنت متلحّفًا بمرايا الخيبة،
وهي تحتفل مع ظلال العتمة،
بعد أن قتلت الحقيقة
وتركتها معلّقة في حلقي.
قلت: المرض له صفات
أشبه بسعادة القرود وقت صعود الشجرة.
اتركني حتى يأتي الصباح،
سأبدّل المرايا أو أبدّل نفسي.
لا دليل على التمرّد لكثرة الأعداء،
من يحتكر صيفنا لن يمنحنا البهجة،
ومن اخترق الخريف واستولى على رياحه
فلن يرى في كؤوسنا
سوى ورقٍ أصفر، يدور حتى يسحق
غبارًا لا يعلق على بيوت عناكب.
سنتمرد…
ابقَ أنت يا ليل في سجن المرايا،
لم نكن أكثر
من عمقٍ لمأساتك.
6
كل المرايا المريضة في حلقي تؤلم الصور،
ولا مقبرة للحقيقة، ولا بريق لها يضاجع الخسارة.
في جسدي نبتت أشواك،
تدقّني كمتَّهم بما هو أفظع من الألم.
عدتُ إلى آخر مساحة في الليل،
آملًا أن أُستقبَل،
أن يقول أحدهم:
«القرار كان للمرايا،
هي من تحدّت الليل،
المعركة دارت في حلقك».
ابحث عمّن يحميك:
كالغيوم، الطيور، أو الصمت الميّت.
كنت وحيدًا، وبقيت وحيدًا،
مُتَّهَمًا حتى الصباح.
كنتُ أخشاه:
الوقوف في قفص الاتهام
بجرم «التلحّف بالمرايا والاستهزاء بالليل».
في محكمة الأخلاق، تردّدت:
«الجشع يلد النفاق،
والنفاق مقبرة الحياة».
صدر الحكم بلا قاضٍ،
وصمت الجميع.
عبر الليل… ولم يدركه أحد.
أنا والمرايا، علينا الافتراق،
لنفهم كيف نتعامل مع المعرفة
إذا كانت المرايا ضحية العتمة.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .