“هجرة العنكبوت”
في هذه القصيدة، أخوض معكم رحلةً تأملية عبر عوالم الطبيعة والرمز، حيث تتحوّل الكائنات الصغيرة إلى مرايا كبرى تطرح أسئلة كبرى عن الحياة والموت، البقاء والتغيّر.
من خلال هجرة العنكبوت من شجرة إلى أخرى، تنفتح أمامنا مفاهيم الوجود، وتتشابك التأملات حول الهوية، ومعنى الأذى، وقيمة الاستقرار في عالمٍ مهدّد بالآفات.
إن “هجرة العنكبوت” ليست قصيدة عن كائن هشّ، بل عن كائنٍ يدّعي الحكمة فيما يُتلف العالم دون أن ينتبه.
هي تأملٌ في فلسفة البقاء، وصراع مع المجهول، وسؤالٌ مفتوح: من يؤذي من… حين لا أحد يستأذن الحياة؟
⸻
هجرة العنكبوت
(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)
دريسدن، 01.09.2024 | نُقّحت في 13.07.2025
مرَّ يومٌ آخرَ على الآفاتِ فوقَ شجرةِ الفلفل،
تقاسموا النهارَ والليلَ
في غزواتٍ صامتةٍ على أزهارِها،
واستولوا على أوراقِها.
وشجرةُ الفلفلِ تضخُّ الماءَ إلى قوامِها،
حسبَ روايةِ البقاءِ المتكافئ،
رواية: “خُذْ مني… وأعطني… لنعطي.”
كانت الشجرةُ وادعةً،
تتمايلُ لتتركَ أشعةَ الشمسِ تتخلّلها،
لتخلِّصَها من الآفاتِ البلوريةِ الملوَّنةِ
بخبثِ حبٍّ للمتعةِ الخالدة.
وقفَ العنكبوتُ بلعابٍ لا يُخفى،
ووليمةٍ لا تنتهي، على أنغامِ حشرجةِ صرصار.
شكّلَ مثلثًا وسماهُ بيتًا،
لا سقفَ فيه، ولا جدران،
لا نوافذَ، ولا سورَ يحميه من شيء.
ضحك وسأل: “لمنِ السور؟”
نسمّيه نحن “بطشَ الغرباء.”
ولم يستأذنْ شجرةَ الفلفل،
ولِمَ يستأذن؟ كيف؟
وهو لا يؤذيها؟
ولم يتذوّق الفلفلَ ليكون سعيدًا
أكثرَ ممّا يملكُ من سعادة.
إنْ لم تكنْ مؤذيًا،
فلا حاجةَ للكراهية أو الحب.
ولا حاجةَ لك بكلِّ تعاليمِ القيم.
فالأذى وحدَه هو خيانةُ النفس.
وأنا لا أخونُ أحدًا،
مَن دخلَ بيتي… ظلمَ نفسَه.
صارت الحشراتُ تفرُّ بعيدًا عن بيتِ العنكبوت،
فبنى عشرةَ بيوت،
وسمّاها ببهجةٍ مخادعة،
وأحاطَ الشجرةَ بنسيجِه المؤذي،
وهو يغنّي:
“ما لي ومالَ الفلفل؟
لكلٍّ منّا أملٌ،
حتى ولو طالَ الليل.”
غابت أشعةُ الشمسِ عن الشجرة،
وهلكتْ من الظلام.
بلعَ العنكبوتُ نسيجَه،
غيرَ مكترثٍ بفلسفةِ الأذى،
وانطلقَ إلى شجرةٍ أُخرى،
وكأنَّه لم يفهمْ موتَ شجرةِ الفلفل.
وأعادَ أغنيتَه ببلاهةٍ وانتقام،
فلا بدَّ من وجودِ عناكبَ أُخرى
في صراعٍ معَ الموت،
حين تموتُ الأشجارُ… دونَ سبب.
وهو وحدَه قادرٌ على الهجرة،
يمارسُ فنَّ الخروجِ عن المألوف،
في وصفِ القلقِ قبلَ الجوع.
الآفاتُ المنتشرةُ هنا وهناك
ليستْ إلا خدعةً ووسيلة،
للوصولِ إلى هزيمةِ العناكب.
والموتُ لا يأتي والطعامُ وفير،
تلكَ حكمةُ الحياة:
“ما أكثرَ الآفات،
فلماذا الموتُ المبكر؟”
رتّبَ العنكبوتُ نفسَه،
وفرحَ لحكمةِ ابتعادِ الموت
من كثرةِ الطعام،
فما أبشعَ أن يسبقَ الحزنُ… الموت.
لا بدّ من الهجرةِ إلى الأعلى،
فأشجارُ الفلفلِ لا أمانيَ لها،
سوى انتظارِ المطرِ والخريف،
وتبجيلِ أشعةِ الشمس.
كلُّ الآفاتِ ستتساقطُ يومَ موتِ الفلفل،
وتُصبحُ غذاءً للأرض.
فأيُّ خوفٍ ينتابُ العابرين في هذه الحياة؟
صعدَ إلى شجرةِ التفاح، واستقرَّ هناك،
بنى بيتًا واسعًا مربّعَ الأطراف،
تتوسّطُه حبّةُ تفاحٍ للتمويه،
وعلى الزوايا، نثرَ بتلاتٍ صفراء،
كأنّه مقتنعٌ
بأنَّ الفرائسَ تُفضّلُ الموتَ في جمالِ المكان.
ربما في شجرة التفاح معنىً لم يدركه بعد.
جلسَ في طرفِ البيت،
يتأمّلُ الحياةَ من الأعلى،
يراقبُ حشراتٍ كثيرةً تطيرُ من حوله،
لا بُدّ لها أن تُطفئَ مصابيحَ اليقظة
في لحظةٍ بائسة.
لا بُدّ لها ذلك.
فجأةً، شعرَ بالجبروت،
ورقصَ في بيته مزهوًّا،
وهو يقول:
ماتت شجرةُ الفلفل،
ولم يُشيّعها حتى الحشرات،
أمّا أنا، البريء،
سأُرتّب جنازتي،
وأدعو مَن يبقى حيًّا.
ضحكَ العنكبوتُ،
وتذكّرَ قولَه الشهير:
“ما أكثرَ الآفات… لماذا الموتُ المبكر؟”
جاءه عصفورٌ،
غرّدَ له بصوتٍ حزين،
واهتزّت الأغصانُ طربًا،
ثمّ…
قتله.
دون أن يتذكّرَ شيئًا،
ولا حتى أن يقول:
“لا موتَ مبكّرًا حينَ تكثرُ الحشرات.”
ثمّ هاجرَ العصفور،
وهو مُبتسم،
كأنّه تذكّر أنَّ الغفلةَ لا تُشبه البراءة،
مَن الذي تركَ تفّاحه…
وأحاطَها ببتلاتِ الورد؟
هل تُهجَرُ البهجةُ عندَ اكتمالِها؟
(ط. عرابي – دريسدن)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .