الخميس، 31 يوليو 2025

سيرهقك الرماد بقلم الراقي طاهر عرابي

 "سيُرهقُكَ الرماد"


أنا لا أكتبُ عن الحربِ كخبرٍ متأخّر،

ولا عن الأخلاق كتعريفٍ مُهمل في معجمٍ منسيّ.

أنا أكتبُ من داخلِ الرماد…

حيثُ تتكشّفُ الحقيقةُ بلا رتوش،

وتُرفَعُ الأعلامُ على جثثِ الضمير،

لا على جبهاتِ البطولة.

لم أعُد أملكُ سوى هذا الصوت،

صوتي، الذي يعرفُ طعمَ الخذلان،

ويشعرُ بثقلِ الخريطةِ حينَ يرسمُها الغرباءُ بدمِ التاريخ. كلّما سقطت الأخلاق،

أدركتُ أن التغيّرَ ليس ترفًا… بل شرطٌ للبقاء.

لقد وصلنا إلى مفترقٍ صعب، لا يقبلُ المناصفة،

ولا الإلغاء.



سيُرهقُكَ الرماد


قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – 25.02.2025 | نُقّحت 30.07.2025


هلكَ الهلاكُ، فتألّمْ يا حجرْ،

فمن ذا، غيرُ من فُنيَ، اندثرْ؟

صامدٌ، كأنني في يدٍ وُلدتُ شهيدًا،

وفي الأخرى أكتُبُ:

 لستُ إلّا بشرًا وُهِبَ المسيرْ.


أُعزّي نفسي بالحياةِ كأنّها

عزاءُ من بقيَ الحنينُ له سفرْ،

وأتلوّى من نُفوري عن مكاني،

ومن قُبحِ التشرُّدِ والمَسيرِ إذا انفجرْ.


يا لهذا القرن… يا لهذا الوقت… يا لهذا الزمان،

كم يُشبهُ النزهاتِ إلى عبثِ المقابر،

التي لا تنتهي،

إلّا على أشلاءِ “أخلاقٍ ونحيبِ المظلومين”،

مرسومةٍ بلون الرماد،

على وجهٍ خانَهُ الزمنُ فانكسر.


حروبٌ تلفُّ الأرض،

وزوابعُ الأحقادِ لا تهدأ،

أشعلتموها كأنّكم تُسابقون الرصاص،

تعبَ الحديدُ والتوى،

وأنتم، من حربٍ إلى حرب،

تمزّقون الطفولةَ، والعامَ، والجيل،

والموتُ… بلا صدى.


ما لكم ومال فلسطين

في لعبةِ الربحِ والخسارة؟


فكّرْ… أو لا تفكّرْ،

يا أيّها الواردُ من فوهاتِ الفناء،

اِغسِلني،

ثم اطوِني،

واجعلني بساطًا لصلاةِ الفهم،

أو لحافًا

تلتفُّ به حينَ يهدرُ فيك

إعصارُ نداءٍ لا يُفنى،

ولا يردعه منافق.

أو شراعًا لقاربٍ غرق

قبلَ ميلادِك،

وما زال يحملُ روحي،

ينشرُها…

لكي لا أَفنى أنا، ولا أَغرقْ.


ارفُقْ بأنفاسِك،

واترك الهواءَ نقيًّا،

فالهواءُ لا يحتملُ العدوان،

الذي يسحقُ الفمَ والعظم،

فلا تكابر.


حتى لو بعثتُ للغزاة

باقاتٍ من ياسمين،

سيفضّلون القتلَ والدمار،

ويخجلون من وردةٍ

سكنها الندى.

يُلوِّنونها بالرماد،

وينشرون عطرَ الأحقاد،

ويرقصون فوقَ المنابر.


تراكيبُ تسمحُ للشيطانِ مأوى،

يعيشُ روحًا في جسدٍ أعمى.

وكأنّ الرحيلَ وطنٌ محمولٌ

على أرصفةِ الهوى…

لا بوركتَ،

ولا حييتَ،

ولا تمتعتْ،

وأنا أكرهك.

أبكيتني… كطفلٍ

جفّتِ الدمعةُ في عينيه،

فتغيّرتْ ملامحُ وجهِه،

وصارَ

رداءً لنفسهِ…

بكلِّ أشكالِ الوجعْ.

فأبكاني الجلدُ، وتبِعَهُ السمعْ.


لم تكن القذائفُ عناقيدَ للزينة،

ولا الخرائطُ خريطةَ قلبٍ للحبّ.

زرعوا الألغام،

وانتظروا أشجارَ الموت،

باسمِ السيادةِ حينَ تتوحّش.


أيّها الجنود،

لا تنظروا في أعينِ بعضكم،

أنتم ضحايا وطنٍ آخر،

لم تلدوه… ودمُكم سيرفضكم!


مثلَ هواءٍ تزفره الحيتانُ هباءً،

أو ثعابينَ تبحثُ في سماءِ الفضيلة

عن مأوى لقذيفةٍ ضلّتْ طريقَها…

ستدركون…

أنّ المطرَ لن يغسلَ وجوهَكم،

أنتم غرباءُ،

حتى في المرايا.


الغزاةُ… غرباءُ عن كلِّ الوصايا،

لغةُ الطمعِ تستيقظُ قبلَ الفجر،

وكآبةُ العصرِ

تصفّقُ للصمتِ المبكّر.

وحينَ يصرخُ الديكُ،

لا أحدَ ينهضُ ليفكّر.

وحينَ يظهرُ القمر،

تغدو الساعاتُ سواءً

في عقلٍ يدمّر!


فأيُّ نصرٍ،

حين يُرفَعُ العَلَم

فوقَ رمادِ الأخلاق؟

ويهتفُ القاتلُ:

“أنا انتصر!”


أيّها السادةُ القتلة:

ما زلتُ هنا،

أمشي على رمادي،

وأكتبُ بمساميرِ الجراح

وصيّةَ الوطن…

ضحيةً تتكلّم،

تُقاوم وتفضح:


لا قوّةَ تُعطيكَ الأرض،

إن لم تكنْ منها.

منذ التكوين…

والتاريخُ لا يكتبه المحتلّ،

بل يكتبه صاحبُ الأرض

على الزيتون،

وبين المقل.


سأقاومهم إن أرادوا،

وسيقتلونني متى شاءوا،

لكنّ عتباتِ الوطن

ستظلُّ توابيتَ لهم،

ومصيري…

كتابٌ مفتوحٌ على الخلود.


فالوطنُ لا يُمنَحُ كهبة،

ولا تُصنعُ الأوطانُ بالهدايا،

ولا تُوزّعُ كالتعازي،

قبلَ موتِ الغزاة… كوعدٍ للشقاء.


كم أخشى أن أمضي في وطني منتصبًا

فوقَ قامته…

كأنّ السماءَ تنحني له!

ما أصغرني فيه…

وما أعظمَني به،

وهو كلُّ شيءٍ

حين أفقدُ كلَّ شيء.


سيمضي الوقتُ

الذي كنتُ أخشاه،

ليأتيَ وقتٌ

يحتفظُ فيه الفراغُ بقيمته،

ويهزمني أكثر… لأجلِ الغزاة!


كلُّ شيءٍ سيمضي فارغًا،

ويتركني ممتلئًا

بسعادةِ البراءة،

فلم أفعلْ شيئًا

سوى مراقبةِ الزمنِ العابر،

وقد ابتلعني الفراغُ

عقابًا… لا تفسيرَ له.


(ط. عرابي – دريسدن)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .