الثلاثاء، 29 يوليو 2025

أصداء اليقين بقلم الراقي طاهر عرابي

 "أصداء اليقين"


في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، وتُبتلع فيه الحقائق بين جشع الحواس وخرس الضمائر،

لا تعود القصيدة ترفًا لغويًا، بل فعلَ مقاومةٍ وجوديّة.

“أصداء اليقين” ليست احتفالًا باليقين، بل تأمّلٌ في هشاشته،

في احتكاكه بالحيرة، والخذلان، والانتظار.

لا تقدّم القصيدة علاجًا، بل تضع اليد على نبض السؤال، وترفعه من هامش الغريزة إلى قلب الإدراك.

في كلّ مقطع، تعود الذات إلى ذاتها،

لتُعيد تعريف الانتماء، والخوف، والحلم، والصمت،

لا كمعانٍ جاهزة، بل ككائناتٍ حيّة تتشكّل مع كلّ خطوةٍ نحو المعنى.

لا تُغلق أبوابها، بل تترك النهايات مفتوحة،

فاليقين الحقيقي…

هو أن نمضي في الحياة،

دون صراخ يتجاوز ما يفرضه علينا الجمال.



أصداء اليقين

قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – 02.08.2024 | نُقّحت في 28.07.2025


لا نُساومُ على الألم،

فهو صديقُ الحزنِ المُرهقِ بأفكارٍ خاوية،

قامته شوكيةٌ عجيبة،

يمتدّ في بحرٍ من اليأس،

كأصدافِ أرقٍ ترقد في القاع،

بين الفكرةِ والنهوضِ المجهول،

بلا معنى… ولا خلود،

تحملُ لفظًا بلا حروف.


إلى أين؟

نذهبُ به… إن جاء كئيبًا.


نُحاول الرفضَ بمحاولةٍ فيها بقايا الإرادة،

آخرُ ما نملكُ من القوّة:

لن نبقى رهائنَ الحيرة،

وإنْ تعمّدنا الجنونَ انتقامًا من الخيبة،

كأعمى يتعثّر في الضوء والظلام معًا،

يداه تسبحان، وقدماه لا ترضيه،

فالهدفُ صراعٌ يوميّ، تحمله الخطوة،

نستجلي القوّة في اليقظة،

غيرَ مبالين بما يسحقنا

في ميادين القلق،

نُواصل حبَّ الوجود…

بشيءٍ من الخيال،

بشيءٍ من الواقع،

وبكلّ ما نملك.


من شهد اليوم،

كان قد شهد الأمس،

وبينهما… نحن،

في حلّة الضوء،

نُراهن على فتوى الصعود إلى القمّة،

بشيءٍ من العزيمة،

قبل ذوبان الأمنيات.


لم نفشل في شيء،

أكثر من البحث عن سُلّم،

أو حبلٍ متينٍ بوزن الأمنيات.


لا نشكّ في الرؤية؛

سيأتي التغيير،

حين تشتعل الذاكرة،

ويشتاقُ الانتماءُ إلى قُدسيّته،

في الأرض… والسماء…

وبين جبلين من العفّة.


الخلودُ جميل،

إن وصلنا مبكّرين،

دون أن نزهق أنفاسنا في الهباء.


الماءُ لا يهجر السواقي طلبًا للحرية،

إنه حرٌّ في جريانه،

ومداعبته للحصى ليست أمرًا مرسومًا.

فيه عطاء،

وفي الحُلم… أن يسمع السمك ترانيم البقاء.


كذلك انتماؤنا:

هو ما يملكنا،

لِنملكه بعطاءٍ وترانيمَ لذّةِ الحياة.


الغدُ ليس لمن غفل عمّا تنبته الأرض،

حتى ولو كان من زرعٍ لم يزرعه.

كلّ شيءٍ لك في أرضك،

حتى ولو كان عشبًا أو زعترًا برّيًّا،

وورودًا تُحيي النحل.

الصحوةُ فيها ندى…

فترقّب القطرات

على عناقيد العنب، وأكواز الرمان.


الغريب في رحلة المصير،

لن يكون لوحةً تملأ فراغ السعادة،

ولا شبحًا تخشاه الخفافيش.

إنه يبحث،

في الظلال والواقع،

عن صورتين:

صورتِه… وصورةِ الطريق.


يا غريبًا، إن مضيتَ،

فاحمل قنديلًا… ومرآة.

فالغربةُ تحتاجُ مَن يمنحها السعادة.

لا تكن غريبًا وحيدًا،

كطيرٍ مكسورِ الجناح،

مهاجرٍ حتى آخر نبضٍ فيه.

لكَ في الغربةِ نهاية… في الوطن.


نحنُ الصفرُ المطلقُ في معادلات البقاء،

لا نعلم ما قبلنا،

ولا نعرف ما بعدنا.

لا نخشى خطرًا،

ولا نُدركُ إلا بعناء.

والعدمُ… هو الصافي،

واللاشيءُ يحفّزنا على ولادةِ كلّ شيء،

إلّا ما نَصبو إليه أن يكون لنا نصيبٌ منه.


ننتظر الأيام،

لا خوفًا،

بل وعيًا أن الحيرة

دورانٌ في ثقبٍ سحيق.

فمن يُجيد الحياة،

هو من يسأل النائمين عن اليقظة،

لا من يُتقن فيزياء التكوين.


الصمتُ ليس غيابَ الكلام،

بل غيابَ ما يُقال.

احمل في فمك ما يُسمَع،

فصانعُ العطر ليس بالضرورة صاحبَ الرائحة،

بل من اغتسل بعطر الورود،

فأصبح طيّبًا.


لا شيء يُطفئك أكثر

من الانزواء على حوافّ المعنى.

ومن دلّك على الطريق،

قد لا يكون أعلمَ منك بالأشواك.

لكلٍّ منّا أشواكُه،

فامشِ على حذر،

ولو كنتَ عابرًا إلى ما تعرفُ مكانه.


نبدو ساكنين،

لكن الدمَ فينا

يحملُ سرّ الحركة نحو الصواب.

فلا تُرهق القلب،

حتى لا يصير هو من يتنفّس بلا هواء.

فليكن ذلك انتصارًا،

وليبقَ الصدر أمينًا عليه.


هل ما تبقّى لنا بات مفهومًا؟

أم أنّ الفضاء لا يحتضنه

إلّا من مشى على جراحه؟

لا تتعثّر…

فالعالمُ أكبرُ من خُطوة.

سنبدأ المسير،

ولن نبتعد أكثر من رمشةِ عين

عن الهدف.

فالحياةُ لا تُغيّرها الأحداث،

بل تُغيّرها الشعوب

إذا نهضت في وجه الظلم.

وإن ظللنا مسافرين،

فلنحذر من وَهمٍ مُزيّنٍ بالأمل.

سنجعلُ من الانتماءِ علمًا،

ونكون نحن هو…

فهو أقوى ما نملك.


لا تلوموا مرورَ السنين،

لم نكن رُوّادَ السفينة،

والفشل لا يصنع منّا رمادًا،

ولا لونُ الجراد يُنذر بفرحِ القمح،

ولا سهرُ العناكب يدلّ على الابتهاج.


لا بدّ أن ننزل إلى الأعماق،

لنعطي الحقَّ مجدًا،

ونحميه من حرّ الشمس،

ومن ترنّح الرياح.


نحنُ ماضون،

كالحياةِ حين تصحو من رمادها،

نرى الهدف…

هو بلوغُ الجمال، لا الصراخ باسمه.


(ط. عرابي – دريسدن)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .