الخميس، 31 يوليو 2025

الأطفال حائرون بقلم الراقي د.عز الدين حسين أبو صفية

 من حكايات أكتوبر الحزين ...


قصة قصيرة : : :

الأطفال حائرون : : :

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

بين الفينة والأخرى يشتد قصف طيران العدو بكافة أنواعه ومدافع دباباته على كافة أحياء المدينة وعلى مُختلف الأماكن ؛ فتُدمرت المنازل والمباني والعمارات والأبراج السكنية فتنهار على رؤوس ساكنيها بعضاً من ركامها يُغلق الشوارع والطُرُقات فتمتلئُ بالشهداء من مختلف الفئات و الطبقات ، وتزدحم بالجرحى الذين بصعوبة يتم نقلهم للمستشفيات لأن الحرب دمرت مُعظم الشوارع والكثير من السيارات والإسعافات .

يخرج العديد من سكان الأحياء المُدمَرة ليُنقذوا الجرحى لاصطحابهم لبعض المراكز الطبية والمستشفيات للعلاج والعديد منهم تبقى جُثَثَهم تحت وبين الأنقاض ، والعديد منها تتحلل لعدم توفر المعدات المناسبة والآلات التي يُمكن استخدامها لرفع الركام وإنقاذ من ظلَ حيًّاً وإخراج الجرحى والشهداء . تمكن بعض الشباب من إخراج بعض المصابين الجرحى من الأطفال؛ فكان منهم الطفلة ( ذكرى ) إبنة الثلاث سنوات وكان الطفل ( وسيم ) ابن السبع سنوات، وكلاهما أُصيب إصابات بالغة في ساقه . 

نُقلا إلى المستشفى للعلاج وعمل ما يُقرره الأطباء بشأن حالة كل منهما . 

في غرفة الانتظار جاء بعض الأطباء والوجع يعتصر قلوبهم و تفكيرهم ويُصَعِب عليهم اتخاذ القرارات بشأنهما ؛ فقرروا أن يبدأوا بحالة الطفلة ( ذكرى ) التي كانت رجلها قد تهشمت من القدم حتى نهاية الساق، فكانت محاولات الأطباء لم تجد بُداً من أخذ أصعب القرارات بعد أن لم تُجدِ كل محاولات العلاج وإيقاف نزيف الشرايين فقرروا بتر الساق . 

كان الطفل ( وسيم ) يسمع القرار، فحزن وتألم وبكى ليس فقط على حالة الطفلة ( ذكرى ) بل أيضاً على حالته التي هي إصابة صعبة في ساقه وهي تُشبه حالة إصابته ( ذكرى ) . 

لم يكُن هناك علاجات ولا مسكنات ولا بنج ولا مُخدرات جميعها دُمر عند تدمير العدو لغرف العمليات ومختلف الأقسام والصيدليات في المستشفيات. 

أجرى بعض من الأطباء عملية بتر ساق ( ذكرى ) بدون مخدر وبدون بنج . 

نجحت العملية وأُخرجت ( ذكرى ) من غرفة العمليات مبتسمة محمولة على عربه بعجلات يدفعها والدها وأمها ؛ مرت من أمام ( وسيم ) الذي ينتظر قرار الأطباء بشأن إصابته ، تبسمت له ( ذكرى ) وبعض الدموع تنهال من مقلتيها وتقول يا ( وسيم ) لا تخف إن الله سيرعاك. 

أُدخِلَ ( وسيم ) غرفة العمليات وكانت آراء بعض الأطباء تتجه نحو قطع ساقه لصعوبة إصابته وتمزق أجزاء من الشرايين التي تنقل الدم لتُغذي الساق ؛ ولكن كان للدكتور الجراح والمتخصص و المُتفرغ ليلاً نهاراً لعلاج مختلف حالات الإصابات كان له رأي آخر يحتفظ به لما بعد بدء العملية في ساق ( وسيم ) وبعد أن يتضح له وضع الشرايين في الساق. 

مَرَ دكتور ( بكر ) بجانب السرير الذي يرقد عليه ( وسيم ) وينتظر موعد عمليته ، فنادى بصوته المخنوق دكتور ( بكر) ؛ أرجوك وبالله عليك يا دكتور لا تقطع ساقي . 

تبسم ( د. بكر) وتساقطت من عيناه بعض قطرات الدموع وهو يمسح بكفه على جبين ( وسيم ) ويحاول مُداعبته وطمأنته ويسأله ، من أين عرفت إسمي ؟ قال ( وسيم) : والدي حكالي عنك وعن إمكانياتك وطمأنني أنك ستقوم بإجراء العملية لساقي وهذا ما أخبره به العديد ممن يعرفونك من الحاضرين والعاملين في المستشفى. 

تبسم ( د. بكر) وقال له : سنقوم أنا ومن معي من أطباء وممرضين بعمل كل ما يلزم، فإن شاء الله ، ربنا معك ومعنا . 

استمرت العملية أكثر من خمس ساعات وكان ( د. بكر) ينتقل من جرح إلى جرح آخر ويُقطِب كل التمزقآت في الشرايين المصابة صغيرها وكبيرها ؛ وأخيراً قام بإجراء فحص موضعي وسريع ليتأكد أن تقطيب كل الجروح والتمزقات في الشرايين قد تم بنجاح وأن سريان الدم فيها أصبح طبيعياً 

كان الجُهد الذي بذله ( د. بكر) جهداً غير عادياً وكان الإرهاق قد أخذ منه ما أخذ وهو أصلاً يُعاني من صعوبة الوقوف بسبب غضروف في بعض فقرات عموده الفقري قبل سنتين تقريباً . 

خرج ( د. بكر) من باب غرفة العمليات الذي كان أهل وسيم، والده ووالدته وأخوانه وأخواته والعديد من الأصدقاء والجيران و جميعهم كانوا ينتظرون ماذا سيقول ( د. بكر) ؛ فانهالت عليه الأسئلة ( طمنا يا دكتور ). 

أخرج الدكتور من بين شفتيه ابتسامةً صامتة ولكنها ابتسامة عريضة وهو يقول :

(( الحمد لله كل شيء بأمر الله تعالى تم بنجاح )) . 


د. عز الدين حسين أبو صفية،،، 


؛

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .