الجمعة، 4 يوليو 2025

عيون الخجل بقلم الراقي طاهر عرابي

 "الصمت: عيون الخجل"

في عالمٍ يعجُّ بالضجيج، حين تختنق الكلمات وتتكسّر الأصوات، ينفتحُ الصمتُ كعينٍ تراقب الوجود بهدوء.

عيونه خجولة، تختزن ما لا يُقال، وترسم حدودًا بين النفس والعالم.

الصمتُ ليس فراغًا، بل حضورٌ خفيّ، يقودنا إلى رحلةٍ داخلية، حيث يتعانقُ الخجلُ مع الحقيقة،

وتولد الأماني من رحم السكون.

هذه القصيدة رحلة في عتمة الصمت،

حيث تتصارع الأرواح مع كوابيسها وأحلامها،

وتنتظر ولادة ضوءٍ جديد من رحم الظل.



الصمت: عيون الخجل


(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)

دريسدن – 10.06.2024 | نُقّحت في 04.07.2025


النظراتُ ترتفعُ خلفَ الحاجبين،

واللسانُ ينزلقُ فوقَ سريرٍ

يشبهُ الكهف.

نسميه فمًا،

لكنّه لم يذق طعم الزينة.

في لحظةِ نومٍ ننساه،

وفي هجمةِ القلقِ على نُتفِ البهجة،

يخرس.


ملامحُ الوجهِ تتزوجُ السكينة،

وتقيمُ عرسًا

كاحتفالِ فراشةٍ

قبلَ انشقاقِ الشرنقة.


هذا هو الصمت:

لا يُؤكل، لا يُشرب،

ولا يُجامل الأفواهَ الجميلة.

غضبٌ سريريٌ محبوس،

كسَمَكٍ يسبح في عمقٍ بلا ضوء.

ليس أحمق،

بل تأقلمَ مع الغرق،

وصارَ لسانًا آخر…

لا يُنطق،

لكنه يعرف كيف يوجِع.



انتهى ترتيبُ الصمت،

وبدأ البحثُ عن فكرةٍ

نسميها رحلةً بيضاء

في فراغٍ شفاف،

نفتشُ عن صفاءٍ

لا تعكّره حتى رفةُ ذهبٍ على رمش.


كرهنا طهوَ الكلام

على صفيحِ اللسان،

نستقدمه من أعماق النفس،

نغذّيه بالأمنيات،

ثم ننسى أن نسأل:

من نحنُ في روضةِ الخجل؟


الفكرةُ من الصمت

لم تكن أكثر من صلاةٍ ناقصة،

أو نداءٍ داخليّ لم يُلبَّ.

نلطفُ وقعهُ بالأمل،

كمن يربّتُ على كتفِ ظلّه،

يبتسم … ويستخف.



لا تُعاتبني قبل طلوعِ الشمس،

أنا نفسٌ حائرة،

تبتلعُ الجسد

لتبلغَ ظلّ الروح.


الشمسُ ضياءٌ يربكُ الكلام،

يحشرنا في الزوايا،

فلا نقوى على مصارحةِ الألم.


الصمتُ زورقي

إلى ضفافِ حريةٍ محاطةٍ

بأسوارٍ تُصدّ الندم.


بقي الليل…

دعهُ يمضي دون أن يخشى

ضياعَهُ بين الحقِّ والقِيَم



أتظنّون أن الأعداء

من اختيار الشجعان؟

مخطئون…


الكراهيةُ والخديعةُ

كعقربٍ مختبئٍ تحتَ الحجر،

يبدو وديعًا،

كحبةِ لؤلؤٍ

في محارةٍ نائمة،

لكنهُ يختزنُ سُمًّا ناعمًا،

يفتكُ بالجسدِ

دون إنذار… كالألمِ المؤجل



ُقاومُ طوالَ النهار،

كي لا ننزلقَ إلى النسيان،

ولا ندركُ أننا في عينٍ

لا تهوى سحقَ قوامِ الاعتبار.


وإن حُرمنا من بهجةِ الحدائق،

سنكونُ عُراةً،

بأجسادٍ خاويةٍ من الإيمان،

تنذرُ بما هو أقلّ من الصمت.


استمدّوا القوّة،

ولا تضعوها في عنقِ سمسارٍ مجنون.

يدقُّ بابَ الصمت،

ويتسللُ بشغفِ القرود،

يبني بيتًا للعبث،

وينصبُ نفسهُ ملكًا.


ونحنُ…

فكرةُ الانتماء

لا تُقبلُ — حتى في الصمت.


نبالغُ في الحديث عن الحقيقة،

ونحبُّ الكذب،

نهربُ من خداعه، كما لو كان خلاصًا.


من يحملنا برفقٍ

إلى ما نشتهي،

ونحنُ نحيا في زمنِ الشهوة،

ولا نعرفُ طعمَ السكينة؟


الصمتُ يأمرنا أن نهدأ،

فنُجيبه:

نحنُ في رحلةٍ

بين بحرين من الخجل.


لا قُبَلَ في شفاهٍ

تتلاطمُ بالغضب،

ولا لمساتٍ في جسدٍ

يرتجفُ من شدةِ الخوف.


السكينةُ سيّدةُ المشاعر،

ونحنُ ضيوفُها،

في بيتٍ

أوّلهُ عتبة،

وآخرهُ فضاء.


كان الصمتُ حارسَنا الأمين،

لكنّنا قيدناه،

وصِرنا نحنُ

حرّاسَ الصمت،

نحرسُ خجلًا

لم نعد نملكه.


(ط. عرابي – دريسدن)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .