سِفْرُ الانشطارِ في ثُقبِ المعاني
خلعتُ أبعادَ المكانِ كبُرقعٍ
ورميتُ أثقالَ الزمانِ ورائي.
الآن أبصرُ.. والعمى غايتي
ما دامتِ الأشياءُ محضَ هباءِ.
أنا فكرةُ العبثِ المنظَّمِ، نغمةٌ
شذَّت عن اللحنِ القديمِ بنائي.
في داخلي غاباتُ شكٍّ لم تزل
تُدمي يقينَ الروحِ بالأشواكِ.
كلّي انقسامٌ، والمرايا كذبةٌ
تعكسُ قشورًا من رمادِ هلاكي.
أسريتُ في عقلي الباطنِ باحثًا
عنّي.. فتاهت خطوتي بشباكي.
فأنا الفريسةُ والصيادُ، وأنا الذي
يبكي، وأنا من يستغيثُ: فداكِ!
جاذبيةُ الأرضِ استقالتْ عندما
أدركتُ أنَّ الوزنَ في الأفكارِ.
وعجنتُ من سرابِ تناقضي
طينًا لأخلقَ من جحيمي جنّتي.
وأدورُ حول العدمِ قطبًا ثابتًا
واللايقينُ مداري بين أقداري.
شمسٌ من المعنى تُشرق داخلي
فتذوبُ من فرطِ الضياء بحاري.
يا واهبَ الأسماءِ، سِفرُ هويّتي
قد مُزِّقت صفحاتُه الكبرى.
لا اسمَ لي.. لا رسمَ لي.. لا "أنا"
إلا إذا كنتُ فيكَ الصِّفرا.
أفرغتُ كأسي من ترابِ وجودي
ليفيضَ فيَّ النورُ.. فهو المجرى.
القطرةُ الغرقى تُديرُ محيطَها
والنقطةُ الخرساءُ تنطقُ سِفرًا.
سافرتُ في ثقبِ المعاني الأسودِ
حتى بلغتُ نهاياتِ التجلّي.
الصفرُ أصلُ الأبجديةِ كلِّها
والواحدُ الموهومُ محضُ تخلّي.
أرأيتَ كيف ينامُ في وترِ الصدى
صمتٌ يُدوّي في الفراغِ الكلي؟
لا شيء يُدرَكُ بالعيونِ، وإنما
عمى البصيرةِ آفةُ الأبصارِ.
إن شئتَ أن تحيا.. فمُتْ عن شكلِكَ
واسكن سكونَ الروحِ في الإعصارِ.
أنا من رأى حتى تعامى راضيًا
وبكى.. ليضحكَ في بكاءِ النارِ.
محوتُ نفسي بنفسي كي أترجمني
للّاشعورِ الذي يحيا به العدمُ.
وأعدمتُ القوافي في مقاصلها
فأبلغُ النطقِ ما لم يحوه القلمُ.
الآن أخرجُ من زماني وصفتي
وأدخلُ الغيبَ.. لا ظلٌّ ولا قدمُ.
أنا المحيطُ الذي غرقت سواحله
في قطرة الماءِ.. حتى جفَّت الدِّيَمُ.
سقطتُ في ذروةِ المعراج مكتملًا
أرى البداياتِ من خاتمتي تزدحمُ.
لا تقرؤوني.. فمعنايَ بترككمُ
كلَّ المعاني.. ليصحو فيكم الصنمُ.
هنا انتهيتُ.. لأبدأ.
والسلامُ على روحٍ تلاشت
ليبقى بعدها الرقمُ.
الشاعر والأديب: عاشور مرواني – الجزائر