„كيمياء الصباح„
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 18.08.2024 | نُقّحت في 12.01.2026
في هذه القصيدة، أخذتُ نفسي إلى ما أسمّيه «المألوف المُلغى»،
إلى صباحٍ ينبض بالحياة كما لو كان مخلوقًا حيًا،
يتنفّس ويتوهّج بالقوّة والجمال.
مع كلّ جرعة قهوة، شعرتُ بأن ذاتي تتلاقى مع الكوني؛
فالصباح لم يكن مجرّد وقت،
بل لحظة تتجلّى فيها الفكرة والوجود معًا،
في نغمات هادئة من الفرح والتساؤل.
من أيقظنا لنشهد؟
كم مرّةٍ أغفلنا حضوره، لا قصدًا، ولا إحساسًا بمتعة العقاب،
ننشغل بهواجس اليوم، وبخطواتٍ لم تُخبرها أقدامنا،
تركناه يلملم ما جلبه من ندى،
حتى لو نبّهنا إلى صدى يقظة النحل بين أصابعنا.
من سيغفر لنا هذا الوداع؟
وداع أن تخرج من ليل وتدخل في ظلّ.
نحن أسئلة كبرى، وجواب مفقود عبر الزمن.
نلبس رداءً لم نفكّر بخيوطه، ونورثه للكون لكوننا لبسناه ولم نسأل.
⸻
كيمياء الصباح
1
ما أروعَ أن نفيقَ على غفوةِ ندىً يتفتّح،
ليس من غيمٍ،
ولا من نهر،
ولا من هواءٍ كان في أنوفنا،
قادمًا من بهجة المجهول.
ليخرج منه الصباحُ كعملاقٍ،
يؤدّي صلاةَ الفجر على مهل،
مثل تفاحةٍ تتدلّى على سعادة الحرية،
التي نلغيها،
وقتَ بهجتنا في مذاقها،
وكأنّنا رحلتها بلا فقدٍ يُذكر.
حين تُلغى الحرية بالمتعة،
يصير القيد حرًّا ونحن فيه،
فيمتدّ صراخٌ لا يهدأ منذ وجودنا،
حتى ولو خرج الصباح
يطوف مرتديًا حريرًا رقيقًا من رياض الآفاق،
كأنّه خرج من سماءٍ زارت الصفاء،
وعكفت على أرواحنا،
تدلّها إلى نفسها.
ومن خلف النجوم، أُطفئت مصابيحها
خجلًا من عيوننا الأنانية،
ومن تحت الستائر نجتهد بظلمنا للعقل،
نجعله يتلكّأ بين دهاليز البهجة،
ويخرج غريبًا، ينسى إرادة الصباح.
يخرج أشبه بنورٍ يشكّ بالبقاء،
فنَهْرُب، ولا نلحظ إلّا شهوتنا لليل.
2
تتدافعُ المكوّناتُ الحيّة
إلى النور – هديتنا من الخالق العظيم،
لتكونَ أوّل من يصل إلى عرشٍ من الحبّ،
يوزّعُ نفسه بسخاء.
وهنا تبدأ الحيرة،
وتصرخ في شكلها المثقوب.
كيف نفهم النور،
ولا تصفيقَ، ولا نفاقَ، ولا عتابٌ
يمزّق صفحةً واحدة
من جسد هذا النسيج الذي لا نمسكه.
ويمرّ الفلاسفةُ،
مثخنين بالهشاشة، مرتعدين منّا،
حاملين ألم سبينوزا،
المنبوذ بذنب الوعي،
حين يصرخ العقل في روح الضرورة،
ويئنّ من قيد الحياة، فيغفو عليه كلّ شيء.
ويحملون جرح نيتشه، وهو يتأوّه
من معركةٍ لا تنتهي
بين القوّة وإرادة الضعف،
فيتمرّد، يهزّ العروش،
ويذوب في ضوء الحرية
تحت جماجمَ مقنّعة.
وابن عربي يناجي الوحدة،
يخشى حتمية الفناء، وتختبئ روحه
بين ظلال الندى.
لكنّهم جميعًا يسبقوننا،
ونحن نرى غضب الإله يمرّ،
ونترك خير الصباح يمزّقنا،
فتغمض عين الألم في الظلمة،
ويخرج العقل غريبًا من دهاليز البهجة،
متوهّجًا، حاملًا نوره لضياع جديد.
3
وضعتُ القهوةَ على شفتي، وتأمّلتُ
انسيابَ الندى على القلب.
ارتعدتُ، وارتجفت يدي،
هرب الندى وسالت القهوة فوق القلب.
من يشرب منها؟ ولمن الصباح؟
في وقت البهجة؟
وانطلقتُ هاربًا في رحلةٍ معكوسة
على موجاتِ الهواء المستعار من العدم،
تحت بساطٍ جمعته أغشية الروح،
إذ تسلّل إلى مسامات الجلد،
وزادها يقظة.
ودبّ على لساني سؤال:
لماذا اليقظة ونحن مهددون في كل لحظة؟
لا موعد مع الفناء فهو يلبسنا من أول كسوه.
بدأتُ أعتقُ ذوائبَ الليل
من تحت رموش العيون،
وأمسحُ وجهي بحرير بقايا الأحلام،
وأبتسم لخوفٍ يتقن الكذب.
أتذكّرُ ذاك الخليطَ العجيبَ من الهواجس،
وأناشدها أن تختفي.
أنا في حضرةِ الصباح.
أنا مكتشفُ القوّةِ في كلّ شيءٍ يكشفه الصباح.
اكتشفت نفسي ونسيتها أسهل من سقوط الهواء على الهواء.
4
قال الصباحُ بلا إفطار، وبلا عنقود عنب،
ونسي تفاحه المعلّقة في غصن الحرية،
ولم يسأل أين ذهبت،
كأنّه يرى الفناء بابًا لا يُغلَق.
وامسك الظلال بحنانٍ يلفّ وجهَ كلِّ ما تراه العين:
“أنا ذاهب، وسيبقى سحرُ النهار فاتبعْه.”
قلتُ، وفي نفسي ألّا أقول شيئًا:
“اجعلني قطرةَ ندى لعصفورٍ أو نحلةٍ،
أو بخارَ رحيق.”
أريدُ أن أشتهي بهجةً لم يشعر بها العمر،
لا في وحدته، ولا في أيّ طريق.
وفجأةً، يتوقّف النبضُ تحت الجلد،
وتثور زفراتُ الهواء في الوجه،
تنذر بقدوم تلك البهجة، المخيفة،
وتأتي على مرأى الحياة.
والقهوة لا تكفي للعشق الدائم.
أتشجّعُ وأحرّكُ القهوةَ بعودٍ من زهر الخزامى،
تبرع بنفسه،
ليكونَ شهيدًا على البهجةِ، وصديقًا لمن ترقرق وانكسر.
5
كم مرّةٍ طلع الصباح؟
لا نعد ولا نحصي، وكأنه نحن،
ممزوجين في فناءنا.
ولم نعد ندرك ذاك العملاقَ الأبيض،
وكأنّنا في رحلةٍ طويلةٍ من الغيبوبة.
قلّبتُ الدفاتر:
هل دوّنتُ طعمه ورقّته وانشغافه لبهجتي؟
وحزنتُ أني لا أتذكّر
كيف غاب عني شعاعُ الضوء الطالع
من خلف كلّ شيءٍ تركناه يتمدّد.
وكأنّ الماضي مصيبة.
لا نذكر من الصباحات سوى أننا فكرنا بأتعاب النهار…
وفي الصباح.
هل نُحمل إلى النهاية أم النهاية هي الحياة؟
عفراء تلك الفكرة، كعنقاءٍ لا تنهض،
رملُها رمادُ الحقيقة،
وبعثُها يقينٌ لا يكتمل،
متى يكتمل، لنخلد إليه؟
دريسدن – طاهر عرابي