"ظلال العروش"
قصة قصيرة
بقلم: الشاعر والمهندس طاهر عرابي
(دريسدن — كُتبت عام 2017 ونُقّحت في 13.11.2025)
⸻
في مملكةٍ بعيدةٍ تستهلك نفسها بتبديد الزمن، كان الملك مشغولًا جدًا، أو لنقلْ كان منزوياً يحب الوحدة، ويخاف من أذى المعارضين والورثة، سواء أكانوا من أقربائه أم من الغرباء.
وكان يخشى العدوى بفيروسٍ قاتلٍ ذائع الصيت آنذاك، قريبٍ من الطاعون وأفتكَ من الحريق.
قيل إنّه يذيب الأنف ويخيط الفم بصمغٍ شديد الالتصاق؛ فتموت الشكوى في العروق… ويا لها من مصيبة.
احتاج الملك إلى شخصٍ يشبهه تمامًا، ليحضر بدلًا منه في المناسبات العامة؛ فلو أصاب الفيروسُ هذا الشبيهَ يموت هو، بينما يخرج الملك معافى، ويفاجئ المحبّين كعادته بصوته ولسانه الطليق.
وجدوا رجلًا مدمنًا على الشراب، فقيرًا جدًا، يعمل في جمع الحطب، أعزبَ ووحيدًا.
حاول الانتحار مرّاتٍ عدّة، وفي كلّ مرةٍ كان يحدث شيءٌ عجيب فينجو.
مرّةً تسلّق شجرةً وربط حبلًا على عنقه وقفز، لكنه نسي أن يربط الطرف الآخر بالغصن، فنجا ببعض الكسور.
ومرةً أشعل نارًا وتقدّم منها ليجلس فيها، فإذا بسيْلٍ عارمٍ جاء من فتقٍ في جدار السدّ، فأخمد النار والتقطوه شبه غريقٍ أو غائبٍ عن الوعي، مدهونًا بوحلٍ وزبد حصاد السيل.
وفي المرة الأخيرة، دخل كهفًا وأغلق بابه وقرّر أن يبقى فيه حتى الموت جوعًا.
لكنّ كلاب شرطة الملك اكتشفت مخبأه، وكانت المفاجأة أنهم رحّبوا به وتهامسوا طويلًا وهم يدورون حوله مبتسمين:
«نعم، هو الشبيه… لا نقاش! يا الله، كيف يختبئ وهو ملك!»
كان يشبه الملك فعلًا في الطول والعرض وأدقّ تفاصيل الوجه، لكنه جاهل، غير منضبط، كثير الثرثرة، يائسٌ يشرب لينسى وينسى ليشرب.
أخذوه مقيّدًا كي لا يهرب فتضيع أجمل فرصة لهم.
أمضى عامًا كاملًا يتعلّم كيف يتصرّف مثل الملك، وكيف يتكلّم ويجلس ويلبس ثيابه.
وأكثر ما أرهق مدرّبيه هو محاولاتهم إقناعه بالإقلاع عن الشراب.
وبعد جهدٍ مضنٍ، وقف إلى جوار الملك، فلم يستطع أحدٌ التفريق بينهما.
ويقال إنّ الملك نفسه خاف أن يُستبعَد من المقرّبين، وأن يُسرَّب إلى الشبيه ما لا ينبغي أن يُقال للغرباء؛ فأمر بربطه في غرفةٍ جميلةٍ في نهاية القصر، وإطعامه في الأوقات المحدّدة.
أُرسِلَ الشبيهُ المسكين إلى بلدٍ صديقٍ لحضور تتويج الأمير ملكًا بعد موت أبيه.
دخل مقصورته في قصرٍ فخمٍ تحيط به الخدم، فطردهم حين لمح على الطاولة أطعمةً كثيرة وزجاجاتٍ من الويسكي والنبيذ الأحمر الفاخر.
شرب حتى الثمالة، شرب بحقدٍ ذاتي يشبه القصاص من النفس.
تذكّر أجمل أيام حياته وهو يقطع الخشب اليابس ويبيعه ثم يشتري شرابه، وقال في نفسه:
«ما أسخفهم… يرسلونني ملكًا ويعاملونني كلقيط.»
وجاء وقت التتويج أخيرًا.
نزل مترنّحًا وتقدّم من الأمير قائلًا:
— «اسمعني جيدًا، أنا لست الملك الحقيقي. لا نفعَ مني، ولا أفهم في الاقتصاد ولا السياسة. أشكرك، لكن في مقصورتي شراب كثير… هل يمكنني أن أستمر في الشرب؟
سجّلوا في دفاتركم الذهبية أني قمت بالواجب!»
ابتسم الأمير وقال بهدوء:
— «وأنا لست الأمير الحقيقي! الأمير الحقيقي في أحد أجنحة القصر، في مكانٍ سريٍّ للغاية.
أمضيتُ سنةً كاملةً لأصبح أميرًا مزوّرًا، واليوم سأصبح ملكًا مزوّرًا أيضًا.
في الحقيقة، لا يهمّني شيء سوى الخروج من هذا القصر.
لا شيء فيه إلا ما يثير الشفقة: همس، نظرات مريبة، خوفٌ لا ينتهي…
إنه في الحقيقة قصر القلق.
كل هؤلاء الذين يتحركون من حولي لديهم هدف واحد: الثراء وإقصاء الآخرين، حتى ولو كان النفاق بساطًا من إبرٍ وجمر يمشون عليه ليصلوا إليّ.»
ثم أضاف متوسلًا:
— «اشرب كما تشاء يا جلالة الملك، لكن هل تساعدني على الهرب؟ أرجوك، تعال لنتعارك!
اضربني على وجهي، اكسر أنفي ودعه يتورّم أو يتدلّى، والأفضل لو لكمتني على عيني.
عندها سيطردونني… وأرتاح منهم.»
نظر إليه الملك المزوّر بدهشةٍ وسأله:
— «يا رجل! أتريد من يكسر أنفك أو يخدش عينك؟ كل ذلك لتشعر أنك طليق؟»
قال الأمير المزوّر مبتسمًا:
— «نعم… ولا أدري كيف أهرب إلا بهذه الطريقة.
طبعًا، أنت ملك، ولن يؤذوك إن ضربتني، حتى لو كانوا يعرفون الحقيقة.
لقد أدخلتُ من ممرٍّ سريٍّ تحت الأرض.
دسّوني في نفقٍ مظلم وقالوا لي: “امضِ ولا تلتفتْ إلى الخلف.”
أغلقوا النفق وراءي، ومضيت بلا ضوء مسافة طويلة حتى سقطت فجأة في حوض ماءٍ وسخ.
تسلّقت سلّمًا ودخلت غرفةً للأبقار والخيول، وهناك رفسني حصانٌ أحمق ظنّني عفريتًا، فرفعني إلى سقف الحظيرة، وخرجت من السقف كأنني طير، فسقطت في بئرٍ عميق.
كانت مظلمةً جدًا، غير أن مياهها صالحة للشرب، فشربت، وقررت البقاء حتى الموت… وإذا بدلوٍ يسقط فوق رأسي.
تعلّقت به وخرجت، فوجدت حسناء تقول لي:
“إيّاك أن تخبر الملك أني وجدتك في البئر!
لكن… انتظر، إنك تشبه ولي العهد وهم يبحثون عنك!”
ثم جذبتني مبلّل الثياب، وقالت أمام الحرس:
“وجدته مختبئًا في البئر ونحن نبحث عنه!”
يا لها من صدفة!»
صرخ الملك المزوّر في وجهه قائلًا:
— «ما هذا يا رجل! لقد كرهت نفسي لسماعك.
يا ليتني ملكٌ حقيقي… لأودِعك السجن فورًا!
ألا تتعب من ذكر هذه التفاصيل القاتلة؟
اسمع جيدًا: حتى لو كنت أعرف كيف أُخرجك، فلن أفعل.
ابقَ أميرًا مزوّرًا وتمتّع بحياتك… إنك لا تستحق شيئًا.»
ثم أضاف وهو ينهض متثاقلًا:
— «أما أنا، فسأهرب وأعمل صيّادَ سمكٍ في جزيرةٍ نائية،
أعيش بين أشجار جوز الهند،
حتى يخرج لي تمساحٌ أهوج…
عندها سأحدّثه عن مأساتي ومأساتك أنت،
ثم يبتلعني بارتياحٍ شديد،
كأنما افترس رجلين مغفَّلين دفعةً واحدة.»
التفت الأميرُ بوجهٍ يطفح بالمرارة والحزن، وقال بصوتٍ مخنوق:
«لقد فشلنا، حتى ولو صرنا ملوكًا…
خذني معك… أريد أن أعانق التمساح.»
— طاهر عرابي