"مرآة الزيف"
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 18.10.2024 | نُقِّحت في 13.11.2025
في زمنٍ تتقاطع فيه الأوهامُ مع الواقع،
وتتفشّى الأقنعةُ على وجوهنا،
تُكتب هذه القصيدة عن الزيفِ والولاءِ والانكسار،
لكنّها تبحثُ أيضًا عن الضوءِ والصدقِ في أعماقنا.
كم أخشى أن نحاورَ العزلةَ والقطيعة،
في قاربٍ يسبحُ في أربعِ اتجاهات،
والبحرُ غادرَ منذ زمن.
⸻
"مرآة الزيف"
1
بلغنا من السوءِ حدًّا لا يُطاق؛
شيوخٌ يمرحون في ظلِّ السلطان،
وملحدون يؤمنون بالقيم،
والقيمُ تترنّح بين السالب والموجب،
حتى صار الهربُ من الوطنِ مقياسَ الرجولة،
وسماتُ العصرِ أن لا تقرأَ ولا تكتب،
وأن تبقى مختبئًا في تلافيفِ السراب،
تطلّ برأسك وكأنّك وحيدُ الشرنقة.
تتكاثرُ الأجوبةُ دون أسئلة،
فراغٌ يهدّدُ حتى غبارَ الغرف،
ولأولِ مرةٍ يعمّ صفاءُ الفشل،
حتى صار المطرُ يحتمي في قلبِ الغيمة.
فلا عتابَ بعدَ ولادةِ الفقدِ التام،
إن كانت تحتَ القطيعة، وخلفَ الجدران،
خلفَ أسلاكٍ لا تراها العيون،
ومؤامرةٍ تُحاكُ لنزعِ ما تبقّى منك،
فمن يحميك إن صرتَ أقلَّ رؤيةً
وأكثرَ انتماءً للجدار؟
2
وُلد الطيّبون منّا، وفتحت السماءُ دفاترها.
فقلنا نكتبُ —
لكنّي رأيتُ الآلامَ في الدموع،
تشعلُها الجرائمُ والخططُ الخبيثة،
فتحولت الحروفُ إلى خشبٍ محروق،
وفحمُها يغرسُ جذورَ الكآبةِ في أعماقنا.
هربَ القارئُ وأُغمي على النفس،
يصنعُ الرمادَ ولا يخلق،
والقلمُ تحرّكه الأصابع،
والعينُ تستقبلُ ولا تودّع…
فمن يقفُ لنراه؟
ولم نعد ندري كيفَ تطيرُ السهام،
ولا كيفَ تخترقُ النارُ لتتفجّرَ فينا.
نحن في محنةٍ،
ولا نصدّقُ أننا في عُقمٍ
يجبرُنا على كراهيةِ قهوةِ الصباح.
نرتشفها، والعيونُ تحومُ
مثلَ نحلةٍ فقدت أواني الزهر.
ما أقسى أن يترهّلَ الوجهُ بعد أن يغسله الماء!
نسينا أن للنساءِ وجوهًا كأزهارِ الربيع،
والأطفالَ غاياتٍ تعلو على وجهِ الأرض،
لكنّنا نسهرُ نعانقُ سوادَ الليل،
ولا نخشى الفضيحةَ من تجعّدِ الجبين.
3
نؤيّدُ بلا تفكير،
ننحني بلا وعي،
ونحبّ بلا حبّ.
نفاقٌ يملأ الحناجر،
والكذبُ صار سعادةَ الأشقياء،
وطريقًا إلى روحِ الغربةِ بين الأوفياء.
لا تقلْ إننا نعيشُ البلاء،
ولا تهربْ نحو الهواء.
فنحن أسرى الولاء،
أسرى منذ أن نطقتْ لغتُنا بالكلام.
فلوينا الحروفَ تحتَ اللسان،
وحتوينا جمرةَ الغضب،
نُطفئُها بألمٍ يتجاوزُ حدودَ الوفاء.
4
سمعتُ خبرًا زائفًا يقول:
«كلُّ الشعبِ يحبُّ ذاكَ الفريد،
والفريدُ لا يحبُّ أحدًا،
يتخفّى خلفَ الأبواب،
وعيناهُ تمسكانِ بالبقاء!»
ضحكتُ ساخرًا وقلتُ:
تذكّرتُ عائلةَ العنكبوت؛
الأمُّ تقتلُ عشيقَها لتنام،
والأبناءُ يقتلونها حين تنام…
فلِمَنِ البيتِ إذن؟
الكلُّ يرقبُ الزوالَ ببطنٍ ثقيل.
حتى الأنوفُ انقلبتْ على الوجوه،
وأصبحَ التنفّسُ محاولةً للبقاءِ المقيّد،
وصارَ الفمُّ أولى بالهواءِ في زمنِ الخوف.
نمشي نحملُ أنوفًا مزيفةً،
ونتجاهلُ رائحةَ العفن.
5
أغمضنا أعينَنا،
أغلقنا أفواهَنا،
وأنكرنا المحن،
حتى صار الأنف شاهدًا على زيفِ الولاء.
كم مرّةً قلبنا وجوهَنا لنشعرَه بالحب؟
حتى أغرقَنا هوسُ الولاء،
فصحونا على مفترقِ الضياع،
دون نداء.
لم نؤمنْ بجدوى الأمل،
وخِفنا من ثِقَلِ الحياة.
فبقينا مثلَ وسادةٍ
لا تعرفُ الصباحَ ولا المساء،
ولا أنَّ الليلَ قد لفّها إلى الوداع.
لكن…
ما زال هناك ضوءٌ يتسلّلُ من مرآةٍ
لا تغفو ولا تتملّق،
لعلَّه يعيدُ لنا ملامحَنا،
قبل أن يبتلعَنا الزيف…
قبل أن يبتلعَ كلَّ ما تبقّى منّا.
كلُّنا نتذكّرُ التاريخَ والنهوض،
لكنّنا ننسى أنَّ للضوءِ ينبوعًا،
وللرؤيةِ روحًا عظيمة.
خذْ من نهاركَ ما يكفي لتكون،
أُرافقُكَ حتى القنديلِ المنسي،
وحتى الحُلمِ المتخفّي خلفَ الجفون،
فنحنُ أصدقاءُ الندى،
في رِقّةِ الكون.
طاهر عرابي – دريسدن