"لا أفهم"
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 09.11.2025
لا أكتب عن الموت، بل عن الفهم بوصفه موتًا آخر.
ذلك الشبح الذي يشقيني ويسعدني، ويتركني معلّقًا بين لوعته وحيرته.
كنت أظن أن الطريق خلاصٌ من ألم الحيرة، فإذا به مرآةٌ تعكس ضياعي،
حتى ولو كانت الخطوة أروعَ جهدٍ أقدّمه لأصل إلى ذاتي دون شكّ.
في «لا أفهم»، أمشي على حافة الفكرة، إنني موجودٌ وأصارع.
أزحف فوق صقيع الفصول،
وأتأمل الحجر كأنه ظلّي الذي نسي أن يتكلم.
لا أجامله، ولا أغيّر من صمته ولو بحرف.
أغوص في المطر، لا لأغرق، بل لأفهم كيف يمكن للفهم أن يوجِع أكثر من الجهل.
إنها ليست تأملًا في العالم، بل اعترافٌ بجرح الوعي،
صرخةٌ هادئة في وجه المنطق، ومصالحةٌ مُرّة مع الفشل.
أكتبها لأن الصمت لم يعد كافيًا،
ولأن اللغة — مهما ضعفت — تظل محاولتي الأخيرة للبقاء في الطريق.
⸻
لا أفهم
ليس فجأةً وجدت نفسي ضائعًا،
بعد أن سبق الإحساسُ همجيةَ المنطق،
وألقى بالوجود تحت رحمة الفهم.
الفهم، ذاك الشبح الذي يُشقي ويُسعد،
والوسطُ به لَوْعةٌ وحِيرة.
فهمتُ أخيرًا أني لا أنزاح ولا أثبت،
وخرستُ لكي لا أُفلسف روعة الطريق.
أنا فعلاً أمشي، دون جهدٍ للذكاء،
والفهمُ معلّقٌ في الركبة،
خطوةٌ تدفعني لخطوةٍ مثل جميع المخلوقات،
والزواحفُ لها مصيبتها:
البطنُ حذاء، والرأسُ يتحمّل جمع الغبار،
وخطواتي تحدد نوع البهجة أو الانكسار.
أنا منتصبُ القامة، سيدُ الرؤية للخطوات،
ولكني محطمُ النفس،
أزحف فوق صقيع الفصول،
بلا رحمةٍ من الصواعق، ولا دبابيرِ الحزن.
وما زلتُ أمشي، ولي الحق أن لا أعلم إلى أين.
حتى ولو كنتُ أعلم شيئًا،
ستبقى المفاجأة أشدَّ قسوةً من اليقين.
لا أحد يرى ماذا يحدث عند نهاية الطريق،
ولا خلف المنعطف، وأنا لستُ أفضلَ من نفسي حينما تشعر بالخوف.
أتسلّى بتفاهة الطرقات،
إنها تمشي بمحاذاة ما نريد،
وتتركنا وكأننا وصلنا.
متى نقول: لقد وصلنا؟ وإلى أين؟
كان حجرٌ على طرف الرصيف،
دعاني، وظننتُ أنه شبّهني بالفنان مايكل أنجلو،
ويريد أن أحوّلَه بأظافري إلى العبد المحتضر،
أو إلى إلهٍ حجريٍّ مرقّطٍ من جزيرةٍ منسيةٍ في المحيط.
غبيٌّ، حتى الحجرُ لا يفكّر،
فجلستُ فوقه،
حتى صار الألمُ مثل الشوك،
وأشبهَ بضرب المطارق.
صحوتُ، وإذا بغيمةٍ تمطر دون إذن السماء.
فقلت: هل ودّعتِ متعةَ الوفاق؟
كنتُ أبحر في إرضاء الحجر،
فردّت الغيمةُ، والسيلُ يجرف الحجر:
كيف تفكر، وأنت تجلس على حجرٍ،
من ملكك وجودي في السماء،
وأنت فوقه راحل، وهو باقٍ منذ الأزل؟
فقبِلتُ الصمتَ دون حكم الفراق.
عنواني في الفهم يغرق،
فسمعتُ صوت الفشل يحدثني ويقول:
حتى الترنّح يؤلم، ابقَ واقفًا،
وإن وصل المطرُ إلى عنقك،
فكّر كيف تغرق.
كيف سيصل المطرُ إلى عنقي وأفقد اللغة؟
هل ألغَوا صرخاتِ النجدة؟
أم صار الموتُ لا يحلو إلا بالصمت؟
طاهر عرابي – دريسدن