“أسياد”
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 24.07.2024 | نُقِّحت في 08.11.2025
في هذه القصيدة، أحاول أن ألتقط خيط الوعي المتشابك بين وهم الحرية وواقع الهيمنة.
كتبت “أسياد” وأنا أتأمل هذا العالم الذي نعيش فيه؛ عالمٌ تتبدّل فيه الأدوار،
لكن تبقى السلطة في يد قلّةٍ تحكم من خلف ستار.
تمرّ القصيدة بين مشاهد من التبعية المتخفّية في لبوس التحرر،
ومن رغبة خجولة في النجاة وسط صور الثراء المصطنع،
إلى شعورٍ عميقٍ بالخذلان.
هي محاولة لرسم ملامح اغترابٍ جماعيٍّ،
حيث نلاحق سرابًا، ونظن أننا نملك الخيار،
بينما نحن نمرُّ في ممرٍّ طويلٍ من قراراتٍ لا نملكها.
“أسياد” ليست فقط صرخةً في وجه الظلم،
بل تأملٌ ساخر في وعينا الجمعي،
حين نقايض الحلم بالصمت،
ونغلف الألم بثوب الرضا،
ونقبل بما يُمنح كأنه اختيار.
⸻
1
من حولنا أسيادٌ يلتهمون نصف الأرض المعمورة،
ويحلّقون في السماوات لاكتشاف الطمأنينة،
بعيدًا عنّا، في منابع الرفاهية،
يجدون براءتهم دون مساءلة.
لا يحملون همومًا، فقد تركوها لنا بسخاء.
لم نعد عبيدًا، ولم نعد أصدقاء،
تحررنا من كل القيود،
وألقينا بالتبعية في مستنقع،
وجئنا بوجوهٍ أكثر ثراءً من ألوان الرماد القديم،
وتركنا لهم الثراء المطلق بلا قيدٍ أو حدود.
فلا نملك لهم قيدًا، ولا حدودًا.
ضعفاء، ونفرح لضعفنا،
وصنعنا من الولاء بساطًا للبقاء.
أسيادٌ، عمالقة العالم خلف العالم،
لم نصنعهم ونحن نحبو على الحصير،
نبدّل زيت القنديل بالكهرباء،
فرحين بعودة العيون في الليل،
أو نتعلم ما قاله فيثاغورس،
لننجو من الغش في حساب الزوايا المظلمة.
تركناهم ليكونوا أسيادًا على أكوام الصحون في المطبخ،
وفي حسابات البنوك المشفّرة،
لا يلهثون خلفنا، ونحن عبيدٌ أحرارٌ جدًا.
2
أسيادٌ لهم أهواء في حبّنا،
ومنهم من يبذر بذور القمح في رقائق السيليكون،
ويصنعون أقراصًا تشبه الأرغفة،
تنحاز لهم وقت جوعنا.
نخسر طعم الجوع من شدّة الخوف،
يخترعون أدواتٍ جديدة تجعلنا نرغب بالعودة إلى الطمأنينة،
حتى وإن كنا عراةً أمام المراقبة.
نحن تيارٌ من ماءٍ وهواءٍ يسير خلف يخوتهم،
نحلم ببلاهةٍ،
ننتظر دورنا في ينبوع الثراء،
لنصبح أصدقاء وأثرياء
بحجم لذّة النفوس الملسوعة بالغرور.
أسيادٌ يتهامسون خلف الأبواب،
يصدرون بيانًا يعبّر عن قلقهم قبل أن نعلم به،
يخشوننا إن جُعنا،
ويرغبون أن تميل الأرض وتُخفينا
خلف مجهولٍ رماديٍّ،
بلا أفقٍ،
ولا بحرٍ أزرق،
ولا أثرٍ يذكّرهم بأننا خُلقنا من صفائح الورق المقوّى.
نذوب في صمتنا الساخر إن أرادوا منا الصمت،
أو تعبوا،
أو وجدوا في الكواكب الأخرى بديلاً مطيعًا يحبّهم.
يتناحرون بصمت الحيتان في أعماق مجهولة،
ثم يخرجون للحرب،
ويذكروننا بالحبّ،
ولذّة الديمقراطية المزروعة في خزائنهم.
الانتخابات النزيهة لأسياد كلام العصر،
وسيمتها لنا، نحن المصابون بلا شيء.
لدينا الديمقراطية بعد كل الظلم والظلام،
سعداء لأول مرة في التاريخ ونحن نقول الحق.
ليس كل الحقّ حقًّا:
حقٌّ واضح، وحقٌّ جدلي،
وحقٌّ مُلغى، وحقٌّ يُقرَّر بلا حق.
انتقلنا من لا شيء إلى شيء،
وهذا هو الانتصار في زمن المنطق.
لدينا الحق هنا وهناك،
ولنا الحق بالصوت والصورة.
هيا نبدأ بالفرح المكسو بالحرية،
وسيكون لنا موعدٌ مع العشق والثبات.
3
أحرارٌ ونحن نستمع إلى أخبار الحروب،
موهومون بكل الشعارات والعبارات،
نقع في خنادق حول المدن،
شاخصين في كل الاتجاهات.
الموت لا يأتي كما نريد،
بعد التحية والسلام،
حاملًا أخبار الجنة.
لقد تطورت أساليبه،
حتى في فنجان القهوة وربطة العنق.
نحن ننكر، ولا نصدّق،
أن الفراشة قد تنفجر رغم لونها البنفسجي.
لا أمان في الغرف، عراة،
حتى لو لبسنا أقنعةً من خزف.
عندها نعلم أننا مساكين،
سنطلق النار من أجل أرباحهم،
ونموت دون الطعام الأخير،
ولا حتى قبرٍ يُضاء بالمرايا،
ولا يصلح لزراعة الوردة الشوكية.
كم نحن أوفياء في عالم الغباء!
هم أسياد، ونحن نخجل من ردّ الجميل،
ومن فوهات الصمت نطلق أنينًا مبهمًا.
هل سيعترفون بحزننا؟
أم سنواصله بلا خيار،
بين الرمادي والأسود،
وبين جفاف الوحل وغبار المنافي؟
يا أيتها الثروة،
أنتِ قلقُ المستضعفين،
ومأساةُ كلِّ جيل.
من عثر عليكِ صار عدوًّا،
ومن تخلّى عنكِ صار عدوًّا،
ولا وسط…
إلا في رغيف الخبز،
وحبّات الزيتون، وبلح الحياة.
أسيادٌ…
أشدّ فخرًا من عقرب الساعة،
الذي يدفع سكّان الأرض نحو الحياة.
الشارع في الأخلاق لا يعرف لون الطبقات،
ولا نظّارات المعجبين بمن وصل.
في أي مكانٍ على الأرض،
يكون الوصول هو البهجة المطلقة؟
ما أجمل أن نترفه،
ونستولي على البهجة…
دون، ودون، ودون حرب.
المسألة تتكرّر:
رفاهية… وحرب.
وحربٌ تعيد نبات الرفاهية الشفّاف
إلى واجهات الأبنية المضاءة بدعوات السِّلم.
سؤال… وجواب،
وخيارنا أصعب من أن نبقى خلف الأبواب.
هم أسياد، ونحن العابرون بقوارب من سراب.
لدينا ميناءٌ واحدٌ في بحر الحياة:
هل نرسو… أم نغرق طوعًا؟
سنبدأ غدًا في الصلح،
ونفتح فضاءً فيه سماء
… وأبواب.
لا خيار أمام السلحفاة
إلا أن تُخرج رأسها للحياة.
وإلّا… يغرق العالم بصمتنا،
هناك أملٌ يحمله المغفّل،
أن نصير مثلهم… أسيادًا على أكوام الأمل.
طاهر عرابي – دريسدن