السبت، 8 نوفمبر 2025

في مدارك تدور روحي بقلم الراقي الشاعر التلمساني

  

في مَداركِ تدورُ روحي

 

أ أنتِ ما زلتِ هنا؟

أم أنني أتوهمُ طيفكِ

حين يلينُ المساءُ على أكتاف الغيم؟

كنتُ أظنُّ أنكِ ستفتحين لي نافذةً من دفءٍ

أن تهمسي باسمي كما كنتِ تُوهِمين

فتنقلبُ الوحشةُ عيدًا

ويستيقظُ العمرُ في قلبي طفلاً مندهشًا.

لكنّكِ تواريتِ كوميضٍ في زجاجٍ مكسور

تتركين لي العطرَ وارتجاف الصوت

ثم تغيبين...

كأنّ الغيابَ قدرُ الجمال

وكأنّ الهوى لا يكتملُ إلا بفقدٍ.

السماءُ تكتسبُ لونًا غريبًا من الأرجوان

ومن بعيدٍ تُسمعُ أغاريد الهزار

ينطلقُ ثم يتحطّمُ على أجنحة النسائم

والتلالُ الرماديةُ تبتسمُ بألوان الطيف

كأنها تذكّرني أنّ النورَ يولدُ من الحزن.

يذوبُ المساء

وفي الأفقِ تختبئُ الشمسُ بخجلٍ

كحبيبةٍ تتوارى من لقاءٍ موعود

وأشعتُها الشاحبةُ ترسمُ تجاعيدَ بيضاءَ

في وجه السماء الرطبة

كأنها تكتبُ وصاياها الأخيرة على صدر الأبد.

كم حلمتُ أن تستقبليني بضحكةٍ

تُحرّرني من يقيني

لكنّكِ كنتِ الريحَ التي تهبّ ثم تختفي

وتركتِ لي قلبًا معلّقًا

بين الغفران والندم.

إنها أنتِ، أنتِ دوماً

تعودين حين أغمضُ عينيّ

تسكنين اللحظةَ ما بين الفكرةِ والعدم

أسمعُ صوتكِ العذب

ينسكبُ كفضّةٍ على الضباب

وفي البعيد تتقدُ آخرُ نيران الزبد

كأنّ البحرَ يحنّ إليكِ كما أحنّ.

غدرتِ بي؟

ربما

لكنّ الغدرَ في الحبّ وجهٌ آخرُ للخلود.

فالذين نحبّهم لا يرحلون

بل يتحوّلون إلى سؤالٍ أبديٍّ في القلب

نحمله معنا كصلاةٍ صامتة

ونبتسمُ له كلّما تذكّرنا

أنّ الوجودَ نفسهُ حنينٌ إلى ما يفلتُ منّا.

أأنتِ هنا؟ أم أنا الذي ما زلتُ هناك؟

في مداركِ تدورُ روحي

وفي غيابكِ أتعلمُ

أنّ الحضورَ 

أحيانًا...

يكون أعمقَ من اللقاء.

الشاعر التلمساني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .