على محكّ النهاية
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 05.10.2025
هذه القصيدة رحلة على محكّ النهاية، حيث يلتقي التفكير بالمظلوميّة، وتختبر الحرية حدود الذات.
هي نصّ يفتح أبواب الوعي المغلقة، ويطرح تساؤلات عن القيم والضوء والمفتاح الذي يمكّننا من رؤية أنفسنا وسط الظلام.
فيها يتلاقى التأمل بالوجود مع الحضور الفعلي للذات، وتتصاعد الأسئلة عن حدود العجز والهزيمة، وعن إمكانية الانعتاق حين يغيب الحُرّاس أو يفشلون في أداء مهمّتهم.
إنها دعوة للقفز فوق القيود، للرقص على الأشجار، وللحفاظ على المفتاح الذي لا يصدأ — المفتاح الذي يمثّل الحرية في أسمى صورها.
⸻
على محكّ النهاية
أمضيتُ العمرَ أخشى نسيانَ المفتاح،
كأنّي أملك شيئًا يُحفظ بين يديّ
حتى صار يشبهني.
ثم تذكّرتُ أن العمر يمضي في العراء،
وأنّ القيمَ وحدَها الصامتة
هي المفتاحُ الذي لا يضيع أبدًا،
ولكنّه يصدأ بيدِ الحُرّاس،
حينما لا يلتفتون إلى ماذا يحرسون،
ولمَن الأبوابُ إن لم يدخلها أحد؟
ليستِ المصيبةُ أن تقف أمام بابٍ مغلق،
بل أن ترى جميع الأبواب مغلقة،
وأنّ المفتاحَ لم يُصنع بعد،
وأنت خارج المسألة، منبوذ،
تسعى للتكيّف مع الهزيمة —
هزيمة “الممنوع عليك”.
ترتعدُ من فكرةِ حصار النفس،
وتتفحّصُ بحذرٍ كلَّ صوتٍ يناديك:
هل من الداخل أم من الخارج؟
ومن يناديني من الداخل،
إن كنتُ بلا مفتاحٍ والبابُ ليس خياري؟
من أنا في لحظةِ العجز الكامل؟
أم أن العجزَ نوعٌ من الهزيمة،
ندفعه بأكتافنا ونتلفّت،
وكأنّنا أبرياء على محكّ النهاية.
أنا لا أفكّرُ لأنني أفكّر،
بل أفكّرُ لأنني مظلوم.
لا أحد سيفكّر بالمظلوم أكثر من المظلوم.
نهاره انطلاقٌ بين جبلين من الجحود،
وليله قفصٌ مفتوحٌ لنداء الوجود.
فلا بُدَّ من الرحيل إلى عالمٍ مفتوح،
بلا أبوابٍ ولا أسوار،
منبسطٍ على نفسه،
يسرعُ الخطواتِ ويُجفِّفُ الزمن،
زمنِ أن تُلغى وتُنسى وتصير بلا مفتاح.
للعودةِ إلى الذات طموحٌ،
فما أجملَ أن يبقى كلُّ شيءٍ متروكًا لنفسه،
تحميه ليحميك من شذوذ الحُرّاس.
صرتُ أشتاقُ لرؤيةِ الخطوة الماضية،
اجتزتُها بجدارة،
والخطوةُ القادمةُ انقسمت إلى نصفين:
واحدةٌ للذِّكرى،
وأخرى للكينونة.
كيف نجمعُ الأنصافَ ونحن نفرّ؟
وحين يثقلُ الصمتُ فوق صدورنا،
ويغشى الحذرُ كلَّ حركة،
يطلّ النداء فجأة:
هاتوا سراجًا لأُضيءَ ما لم تَرَهُ عينُ المظلوم،
وهاتوا أغنيةً لأرقص.
إن حاصرتنا الأفاعي بفحيحها،
يبقى التسلّقُ على الأشجار
أهونَ من رحيلٍ مهزوم.
يا هلاكَ القدمِ المؤلم،
الطريقُ ليس لك.
دعها تعبرْ،
كأنّها ظلٌّ يثير الغبار.
فتسلّقْ ساقيك، فليس لهم عيونٌ غيرك.
خُذْ ما تبقّى من ضوء،
واجعلْه مفتاحًا، لا يصدأ ولا يمسّه الحُرّاس.
يفتحُ أبوابَ السماء والأرض،
ويرسمُ الحريةَ على كلّ الأبواب.
ما غابَ ال
مظلومُ ليصيرَ هيئته الفريدة،
بل حضرَ لِيَلقى هيئته في سُموّ الأحرار.
طاهر عرابي-دريسدن