صباحٌ للمستحيل
في هذا النص، يتجاور الخراب مع الحلم، والمنفى مع الوطن، والحرية مع القهر.
إنها قصيدة تُذكّرنا بأن الشعر لا يشرح العالم بقدر ما يكشف هشاشته، ويؤسّس على المستحيل بداية جديدة.
وما أصعب أن نُولد في الهواء… وترفضنا الأرض.
⸻
صباحٌ للمستحيل
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 2020 | نُقّحت 12.09.2025
أُحب شمسًا لا تغيب،
وقمرًا يطلّ على وردٍ يسهر في الليل.
يناجيه فتسمع، وتحلم أنّك المقصود
بين ردهات السكينة.
تصحو والأطراف تعانقك.
أنت… أنت من ترهّل في الانحناء للجمال.
هل نحب الغفوة خلف الجفن؟
أم نخلط بين الزنبق والريحان والقصب؟
تحيّرني حيرتنا في الصواب:
كيف يُكافأ المهزوم ليغسل عن اسمه الخراب؟
من يمنح الغافي حلمًا فيُصدّق النهار؟
نجلد بسياط الحيرة كلَّ من أحبَّ الحياة،
ونتهمه بالحب… وننسى أننا ننهزم،
حين نجرّده من حريته في انتقاء طريقه،
ونتركه يتلظى خلف الحجارة والأشواك.
يا بهجة المغفلين، كيف وصلنا إلى الشك؟
وانتحرنا في المديح.
كيف نفكّك غباءَ خلطِ المكوّنات المتنافرة؟
لن يلتقي جبلٌ أجرَد يجاوره بستان.
نغفو في ودّ الغرباء تحت طائلة الشفقة،
ونغفو لتغفو القلوب،
ولا نُبصر عرض الخراب… ولا طول البقاء.
أحرقنا أطراف السماء، وخربنا الأعشاش.
واحترقت من شرار الإعماء أشجار وأعناب.
هل بلغنا ذروة اليأس، أم نبحث عن ثوابٍ مؤجَّل؟
لا نفرّق بين ألوان الشقاء،
ولا بين قسوة الحجر إذا سقط على جناح الفراشة.
نتحسّس شوكةً في القدم، ونغفو عن نهرٍ
جفّ حتى صار ينوح بالحجارة.
ربما يعود النهر ليفيض بالحياة،
وعلى ضفتيه أطفال وملعب…
لكننا لسنا مكلّفين بأن نكون من الواثقين،
فلم نرَ في الفهم طريقًا يقود إلى الصواب.
ربما…
لكن المهاجر لا يخطط لموعدٍ يخشاه،
ولا رفيق في السراب.
العالم صار هو البلد.
نقدّس مواعيدنا مع الأسلاك،
ومع الأبواب الغريبة عن حيطان بيوتنا.
نحمل تذاكر سفر مختومة بدم المهربين،
وبحزنهم من انتهاء رحلة الراحلين وهم أحياء،
يخشون الفضيحة،
والموت ستارٌ لا ينفذ.
أخشى أن يموت الوطن من صوت الرحيل.
نموت لنحيا، ونحيا لنُقهر،
حتى في مستحيل الغايات.
وهي حريتنا… قبل القهوة على ندى الشرفات.
أحتار بحبّي: أتحوّل حجرًا لمن أهدي نفسي؟
أم أقبل أن أصير سُكّرًا؟
أتجمّل بنفاقٍ مرّ،
وأصمت من هول الفضيحة.
أحبّ صباحًا لملحٍ ذائب تحت اللسان،
وصباحًا أهديه لسحاب المطر.
فهل من زرعٍ يستقي،
ويثمر أقل من القمح… وأكثر من السراب؟
تعدّدت الأسباب… والخراب واحد.
نمضي بأحمالٍ ثقيلة،
ولا يسعد الواحد فينا
إلا ببراءته الحاقدة على النسيان.
سيموت الخشب كما مات في سفن المهاجرين القديمة.
متى ندرك أننا وحدنا في كل هزيمة؟
هل عزّتنا في اغتيال المروءة؟
يبقى الخيار أن نعود على الدرب نفسه
نحو وطنٍ حسبناه غائبًا.
لقد صرفنا نصف العمر نجمّل الوهم،
ونسينا الماء العذب وجمال الندى.
ركضنا خلف شرنقةٍ تحملها الرياح،
ولا نعلم أيَّ لونٍ تخبئه الفراشة:
هل تخرج وتطير مع الريح،
وتفقد موقع الميلاد؟
من صار وطنه الهواء… سترفضه الأرض.
مطرٌ يسقط على السقوف،
ورياحٌ تلد زوابع،
ودموعٌ تسيل من ضربات الغبار.
لسنا وحدنا لا نفكّر،
لكننا وحدنا ندفع الثمن.
ستعود الأيام، فنحن من غادرها،
وهي لا تغادر.
فوق القمم تنتظر صباحًا نهديه لتاريخنا.
كل صباحٍ باقٍ لكل جيل،
تتذكّر فيه الحياة أبناءها،
ليكتبوا لها فصلًا جديدًا.
افتحوا الدفاتر واكتبوا:
تاريخ انتهاء هذا الرحيل.
اليوم… هو يوم التأسيس للمستحيل.
طاهر عرابي – دريسدن