"غُربةُ اليقين"
أكشف الطرق التي مشيناها بأقدامٍ مثقلة بالأسئلة،
حيث لا يكون الهروب خلاصًا، بل امتدادًا لحيرةٍ لا تنتهي.
أتأمل في القلق كصديقٍ مزمن، وفي الخسارة كجزءٍ من هويتنا—
لا بوصفها نهاية، بل كعلامة تُعرّفنا على أنفسنا.
الحياة لا تُطرح كأسئلة كبرى، بل كإجاباتٍ مبعثرة في التفاصيل الصغيرة:
في رائحة القهوة العالقة بأزرار القمصان،
في لونٍ مفقود من قوس قزح،
في وردةٍ لا تبلغ الماء، ونهرٍ يبحث عن المطر.
«غُربة اليقين» ليست عن الشتات المكاني أو العاطفي فحسب،
بل هي الغربة في داخل المعنى ذاته.
⸻
غُربةُ اليقين
(قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي)
دريسدن – 28.08.2023 | نُقّحت في 12.07.2025
نحاول الخروج من مكان لا نحبه،
إلى مكان لا نعرفه،
خائفين، نتشابك في زوايا الظلام،
نتدافع، نشدّ شعور الغائبين عن العفّة،
ونمسح وجوه الباكين عليها.
نعذّب الماضي بكلمات الغيرة،
ونعذّب المستقبل بكلمات الفشل.
نحوم حول سياج الرحيل،
نحدّق عبر خيوط الشِّباك ونسأل:
هل يأتِ الصيفُ ليرحلَ دون زهرٍ أو ثمر؟
من غاب عنّا، خلّفَ الذكرى، وسارَ بلا خبر،
فهل يعود؟
وكلُّ شيءٍ في مداهُ، على المقاديرِ استقر.
يا وردةً، لا تسرقي عطرَ التي فاحَتْ قبلك،
فالماءُ يبصرُ من سيغتسلُ الجذور،
فتندمين، ويشتدُّ عليكِ الندم.
نعود فراغًا بين خيوط الشِّباك،
ونحاصر أنفسنا في دائرة،
وكأننا دخلنا في صحراء القطيعة.
نهتف بأنشطة ملأت أوقاتنا،
ونخجل أن تكون حقًّا عبثيّة.
لا تَزْهُ على بالماضي وأنتَ في قوقعته،
اترك فؤادَ الماضي وميلادَ الصومعة،
ابتهجنا. وتلذذنا. ووافقنا على مرِّ القطيعة،
حتى صار الدوران حول اليقين رحلةَ الفجيعة.
لكننا نغفل عن سبب زوال قوس قزح.
حاولنا تفكيك ألوانه السبعة،
فتعثّرنا، وهرب البنفسجي،
وحلّ محلّه لون القلق…
وسمّيناه “لون القضيّة”.
صرنا نخاف أن يُكتشف وجودُنا على هذه الأرض،
نُضيع الوقتَ في الحنينِ الفارغ،
ونلتمسُ الشفقة،
لنشعر بالبراءة، وقداسةِ البقاء،
مقتنعينَ أن البقاءَ مقدّس… دون شعائر.
لماذا لا ننظر إلى قلب الوجدان؟
لدينا ما يكفي لنقترب منه.
ألمٌ وصراعٌ يدور في الخفاء،
تحت الجلد، يتعارك الجسدُ مع الروح،
ولا يدركُ متى حدثَ أولُ تفاهم.
لسنا وحدَنا في حيرةِ الحكاية—
وردةٌ على ضفّة النهر،
لا تصل إلى الماء،
إلا إذا أمطرت السماءُ وفاض النهرُ حنونا.
لكنها جارةُ النهر،
وعينُها في الفضاء،
تتألّم… أو تتلذّذ،
فعُمرُها لا يُكتب قبل الإزهار.
النهرُ يجري باحثًا عن المطر،
أسعده لقاءُ عندليبٍ أضاع لحنَه في صمتِ الشجر،
فناما على حزنِ الوردة… وغاب المطر.
لن يتمرّد أحدٌ على طبيعته،
لن يطلب الغصنُ من الشجرةِ أن تحملَ تفّاحًا
وتنسى الزيتون.
عودوا إلى السياقِ الأول،
وكونوا عنوان.
نخرج في الصباح،
ورائحة القهوة ملتصقة بأزرار قمصاننا،
نلمسها بأصابعنا، قائلين:
“لقد بدأ النهار،
وعادت ذكريات الهروب من يوم أمس.”
وهذا اليوم مختلف،
لم نكن سعداء كما حلمنا،
ولن نعيد الخسارة.
نرجو أن تشرق الشمس بوضوح أكثر،
ومن الصعب تحديد شكل الطبيعة
ونحن خارج اللعبة المضنية،
ولكن العقاب لن يبلغ رشده
حتى يأتي المساء.
نرجو أن تجمع السماء سحبها،
ليسقط المطر الذي نتمناه لفعل شيء.
سنتجاهل الرعد والبرق،
ونفرّ منهما كأننا في هروبٍ أحمق.
ماذا نشتهي في هذا الهروب؟
لن نتغير في أي فصل.
سنترنح مثل حبلى البقر،
ونتمايل كغصن أثقلته حبات المطر،
نمضي قدمًا في فراغٍ لا ينتهي،
نمسك بالغايات ليلًا،
ونفشل عند الفجر.
قهرني من لم يجد في جسده سوى ظلِّه،
سبقَه… ثم انكسر.
هبّ إعصارٌ ينبئ بانتهاء صبر الطبيعة،
وسقط المطر كأنه جُرفٌ من قاع البحر.
غيّرنا شكل الخبز،
ولوّنا الكعكة بألوان المتعة.
حزمنا الأمتعة،
ضفدعٌ كان منسيًّا في جيب القميص،
يلعق بقايا قهوتنا على الشفاه،
دودةُ أرضٍ داخت من الغيوم،
خرجت وعانقت الفنجان،
كتابٌ بلا سطورٍ سنكتب فيه ما لم نقرأه.
سنسافر إلى الشاطئ المنحني كقوس قزح،
سنسعد.
لكن لماذا لا يفهمنا المطر؟
عليه أن يتعثّر…
ويفرغ السماء بحنان ننتظره طيلة العمر.
لا شيء حزين في ذاكرتنا.
هناك أرض عند الغرباء،
وهنا أرضٌ تُشبهنا… في غُربة اليقين.
(ط. عرابي – دريسدن)