حريق في مدن الصمت
(تفاصيل زمن رديء)
لنا غربةُ المنفى
وأوجاعُ الخواءِ
وأشهد ألَّا طريق
إلى الرجوعِ
سوى تباريحِ الأسى عند المساءِ
يا أيّها الزمن الرذيل
لمن تصفّق؟
للرجالِ الموتُ،
والعرس التمرد
والعروس صبية بملامح الحسناءِ
تُدْعى في قواميس لنا الحريّة،
حورية مخضوبة الكفّين بالحناءِ
عذراء، تلبس في الصباح قصائدي،
تتبرّج في نحرها عند المسا بدمائي
مازلتُ ألهث خلفها،
والروح تسكن عندها
مازلتُ أطلب ودّها،
ولسوف أدفع مهرها
من لون دمع قصائدي العصماءِ...
نحنُ بلا أسماءَ نرتاد بلا وهَنٍ
تلك الشوارعَ، والأزقّة والمقاهي
نعلّم روّادها الحقَّ الذي
لا تحتويه منابر الخطباءِ
للشاعرِ المسجونِ
في ألق القصيدةِ وحيُه،
كالموتِ ينزِل فجأةً وسط العراءِ
ولنا جميعا في الزمان ملامحُ العمر الذي
مرّ على أجسادنا
كسنابكِ خيلِ التّتار
إذا غزتْ عند الحروب،
ولم نفرّ إلى الوراءِ
وحدنا...
نحن على جمر اللّظى نتقلّبُ
ولنا المراثي تؤبّن لغةَ الغناءِ
لمّا نصلّي ننتمي
للزهر... للأشجار...
للفجرِ الموشّح بالسناءِ
نبكي على أفراحنا المصلوبةِ،
ثم نسافر في الدروب
يشوكنا وخزُ العناء...
لا وَحْيَ يُوحَى بعد عهدنا
فقدِ انتهى عهدُ الكرامةِ
والرُّؤى والأنبياءِ
تبًّا لهذا العصر حبزُه مالحٌ
نقتات فيه رغيفه من غير ماءِ
الهادي العثماني
تونس