🔹 سلسلة وعي | حين تُستنزف بصمت 🔹
المحطة الثالثة | الصمت والموقف
_____________
في واحة الأدب والأشعار الراقية، حيث لا يُحتفى بالكلمات المطمئنة بقدر ما يُحتفى بالأسئلة المقلقة، نقترب في هذه المحطة من المساحة التي يختلط فيها الوعي بالهروب: الصمت.
الصمت ليس فضيلة دائمًا، كما أنه ليس ضعفًا بالضرورة. لكنه يصبح خطرًا حين نفقد قدرتنا على التمييز بين الصمت الذي نختاره، والصمت الذي نلجأ إليه لأن المواجهة أثقل مما نحتمل. هنا، لا يعود الصمت حكمة، بل يتحوّل إلى شكل مهذّب من التنازل.
نصمت أحيانًا بحجّة العقل، وأحيانًا باسم الاتزان، وأحيانًا لأننا لا نريد أن نُتَّهَم بالمبالغة أو الحساسية. ومع تكرار الصمت، يتشكّل وهم خادع: أننا نحافظ على الموقف، بينما الحقيقة أننا ننسحب منه خطوة بعد خطوة.
الصمت الواعي موقف، أمّا الصمت المُنهك فغالبًا ما يكون خوفًا متنكرًا. خوف من خسارة علاقة، أو مكانة، أو صورة بنيناها بعناية. ومع الوقت، لا يعود السؤال: لماذا صمتُّ؟ بل: متى أصبحت غير قادر على الكلام أصلًا؟
أخطر ما في الصمت الطويل أنه لا يُشعرك بالخسارة فورًا. الحياة تستمر، العلاقات قائمة، والأدوار محفوظة. لكنك تكتشف لاحقًا أنك كنت حاضرًا بجسدك فقط، بينما موقفك الحقيقي غائب. وحين يغيب الموقف، تتآكل الذات دون ضجيج.
نخطئ حين نعتقد أن الموقف لا يُؤخذ إلا بالصوت العالي، كما نخطئ حين نتصوّر أن الصمت دائمًا أرفع شأنًا. الموقف الحقيقي لا يُقاس بدرجة الصوت، بل بدرجة الصدق مع النفس. فهناك صمت يحفظ الكرامة، وهناك صمت يُهدرها ببطء.
وحين يتكرّر الصمت في المواضع التي تستدعي موقفًا، لا نخسر الآخرين فقط، بل نخسر قدرتنا على احترام أنفسنا. لأن الإنسان يستطيع أن يتجاوز ظلم الآخرين له، لكنه نادرًا ما يتجاوز صمته عن نفسه.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يُطرح إلا في لحظات الوعي الصافي:
هل صمتي اليوم اختيار ناضج، أم هروب مؤجَّل سيدفع ثمنه قلبي لاحقًا؟
هذه المحطة ليست دعوة إلى الصدام، ولا تحريضًا على الكلام في كل موضع، بل محاولة لاستعادة المعنى الحقيقي للموقف. لأن الصمت الذي لا يحميك، لا يستحق أن تُسمّيه حكمة، والموقف الذي لا يُتَّخذ حين يلزم، يعود يومًا على هيئة ندم لا يُقال.
ومن هنا، يبدأ التمييز الحقيقي بين الصمت الذي يرفعك، والصمت الذي يستنزفك… بصمت.
✍️ حسين عبد الله الراشد
كاتب تأمّلات في
الوعي الإنساني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .