سلسلة: منطق الشعور الإنساني
المحطة الثالثة: الحيرة والانقسام الداخلي: حين نفقد وحدتنا
الحيرة ليست شعورًا طارئًا يمرّ بنا ثم يزول،
بل حالة وعي تتشكّل
حين يختلّ الانسجام بين ما نعيشه وما نشعر به.
إنها ذلك الاضطراب الصامت
الذي يزور الداخل دون استئذان،
فيُربك ترتيبنا النفسي
ويحوّل يقيننا السابق إلى سؤال.
في هذه اللحظة
لا نكون ضائعين لأننا ضعفاء،
بل لأن ما كان يكفينا من فهم
لم يعد قادرًا على احتواء ما نمرّ به.
فتنشأ الحيرة،
وتبدأ الذات بالانقسام.
حين تتعدّد الرؤى
وتتشابك الصراعات،
نجد أنفسنا كمن يسير في صحراء داخلية،
لا يرى الطريق
بل يرى سرابه.
كل اتجاه محتمل،
ولا اتجاه يمنح الطمأنينة.
الانقسام الداخلي لا يحدث فجأة،
بل يتسرّب ببطء.
جزء منّا يندفع بدافع الاحتياج،
وجزء آخر يتراجع بدافع الخوف.
نحسّ بالجوع رغم الامتلاء،
نطلب لذّة الشعور أو راحته
حتى ونحن نعلم
أن ما نطلبه قد يؤذينا.
لكن الإلحاح يغلب،
والاحتياج يهزم الوعي.
هنا يظهر ما نسمّيه
الضياع المؤقّت.
وهو ليس ضعفًا،
بل مرحلة عبور
تفرضها الصدمة.
نقف بعدها لنسأل:
لماذا نضيع بعد الصدمات العاطفية؟
لأننا انغمسنا أكثر مما ينبغي،
وتعلّقنا أكثر مما يحتمل التوازن،
وذُبنا في الآخر
حتى غابت المسافة بيننا وبينه.
لم نترك لأنفسنا مساحة أمان،
فصار الفقد
فقدًا للآخر
وفقدًا للذات معًا.
لم نتعلّم أن الانغماس الزائد
قد يقتل صاحبه،
وأن التعلّق المفرط
لا يُفقدنا الآخر فقط،
بل يُفقدنا أنفسنا دون أن نشعر.
اعتقدنا أننا وجدنا الخلاص في الآخر،
الراحة،
الأمان،
الاطمئنان.
ثم أدركنا متأخرين
أن لا شيء يبقى على حاله،
وأن حتى من تعلّقنا بهم حدّ الذوبان
قد يتغيّرون…
أو يرحلون.
متى نتعلّم أن الثبات وهم؟
ومتى نحسن المسير في عالم متحوّل؟
يصبح الالتباس صحيًا
حين نُدرك أن كل شيء قابل للزوال،
حتى أولئك الذين سكنوا
أعمق أعماق أرواحنا.
لا شيء مضمون في هذه الحياة،
ولا حتى نحن أنفسنا.
فكيف نطلب ضمانًا لمشاعر الآخرين
أو لحالاتهم تجاهنا؟
الأخلاق،
العهود،
صدق النوايا…
كلها قد تتغيّر،
لا بالضرورة خيانة،
بل لأن الإنسان نفسه
لا يملك يقين ثباته.
لذلك،
إن أردنا النجاة بعد العلاقات العاطفية،
علينا أن نتعلّم فنّ المسافة.
مسافة لا تلغي الشعور
ولا تقتله،
لكنها تمنع الذوبان.
لا إفراط يستهلكنا،
ولا تفريط يُفرغنا.
نوازن حياتنا،
ولا نجعل الآخر
هو النبض الوحيد
ولا النفس الأوحد.
نُشرك العقل دون أن نقمع القلب،
ونغرس في وعينا
أن من حولنا قد يتغيّر،
قد يتلوّن،
وقد يبتعد.
الخطر الحقيقي
ليس في الصدمة،
بل في أن لا تُغيّرنا الصدمة.
حينها نفقد الوقت،
والجهد،
والصحة،
ونبقى عالقين
في صراع مع الانكسار،
والاكتئاب،
والهشاشة العاطفية.
نركن أحلامنا جانبًا،
ونؤجّل الحياة،
ونعيش عمرًا كاملًا
في التيه…
لا عبور،
ولا نمو،
ولا حياة تشبه الحياة.
الأديبة :مونيا منيرة بنيو
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .