🔹 سلسلة وعي | حين تُستنزف بصمت 🔹
المحطة الرابعة | العلاقات القائمة على الحاجة
__________
في واحة الأدب والأشعار الراقية، حيث يُعاد تعريف العلاقات بعيدًا عن الشعارات المطمئنة، نصل إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية وإرباكًا: العلاقة التي لا تقوم عليك، بل على ما تقدّمه.
ليست كل علاقة مؤذية صاخبة، ولا كل استنزاف يأتي في صورة إساءة واضحة. أحيانًا، تكون العلاقة هادئة، مستقرة ظاهريًا، لكنها تعيش على افتراض واحد غير مُعلن: أنك ستكون دائمًا موجودًا… دائمًا متاحًا… دائمًا المعطي.
في هذا النوع من العلاقات، لا يُطلب منك شيء صراحة، لكن يُتوقّع منك كل شيء. حضورك مفروغ منه، عطاؤك محسوب ضمنيًا، وصمتك مُفسَّر على أنه رضا. ومع الوقت، لا يُرى وجودك إلا حين تتأخّر، ولا يُسأل عنك إلا حين تتعب.
العلاقات القائمة على الحاجة لا تبدأ أنانية، بل تبدأ غالبًا بتوازن مختلّ: طرف يعطي لأنه قادر، وطرف يأخذ لأنه اعتاد. ومع التكرار، يتحوّل الأخذ إلى حق، ويتحوّل العطاء إلى واجب، دون أن ينتبه أحد إلى اللحظة التي اختفى فيها التبادل.
أخطر ما في هذه العلاقات أنها لا تنكسر فجأة. هي تستمر، تنجح اجتماعيًا، وتبدو متماسكة، لكنها تترك في الداخل شعورًا غامضًا بالفراغ. تشعر أنك حاضر في حياة الآخرين، لكنك غائب عن نفسك، وأن قيمتك تُقاس بمدى نفعك، لا بمدى كونك.
وحين تحاول التراجع خطوة، لا يُسأل عن تعبك، بل يُستغرب تغيّرك. لا يُناقَش السبب، بل يُشكَّك في نواياك. وكأن العطاء كان هو عقد العلاقة الوحيد، وكأن خروجك عن الدور خيانة غير متوقّعة.
وهنا السؤال الذي لا مفرّ منه:
هل هذه علاقة أُرى فيها، أم علاقة أُستَخدم فيها بلطف؟
وهل حضوري نابع من رغبة مشتركة، أم من حاجة لا تعترف بنفسها؟
العلاقة الصحية لا تحتاج أن تُذكّر الآخر بقيمتك، ولا تضعك في اختبار دائم لإثبات إخلاصك. أما العلاقة التي تنهار عند أول حدود، فكانت قائمة على عطائك، لا عليك.
هذه المحطة لا تدعوك إلى قطع العلاقات، ولا إلى سوء الظن، بل إلى الوعي بالفرق الدقيق بين القرب والتعلّق، وبين المشاركة والاستنزاف. لأن العلاقة التي لا تحتمل توازنًا، لن تحتملك طويلًا.
ومن هنا، يبدأ السؤال الأصعب…
كيف نحمي أنفسنا دون أن نفقد إنسانيتنا؟
✍️ #_حسين عبد الله الراشد
كاتب تأمّلات
في الوعي الإنساني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .