أمان الشعور
نصّ تأملي فلسفي
حين يشعر العقل بالأمان الفكري، يُسمَح له بالانفتاح على مهل؛ يندهش دون خوف، ويفهم دون دفاع، وينجذب للأفكار بصدق لا تشوبه الحيطة. في تلك اللحظة تولد نشوة ذهنية حقيقية، إحساسٌ بأنك مرئيّ ومفهوم كما أنت، لا كما يُراد لك أن تكون. فالأمان الفكري لا يُنتج فكرةً فقط، بل يُنتج حضورًا داخليًا متماسكًا، قادرًا على الاختيار دون توتر.
أما الجسد، فحين يشعر بالأمان العاطفي، يهدأ توتره وتخفت حالة الاستنفار داخله، ويبدأ بالاستجابة لا بدافع القلق أو الخوف، بل بدافع الطمأنينة. يصبح التفاعل نابعًا من الثقة لا من الحاجة، ومن السكون لا من الاندفاع.
القاسم المشترك بين العقل والجسد ليس الرغبة ولا القرب، بل الأمان والتوافق. فبدونهما لا تكون النشوة حقيقية، بل استجابة ناقصة، أو محاولة تعويض، أو اندفاعًا مؤقتًا يترك فراغًا بعده. وما لا ننتبه له غالبًا أن اختلال أحدهما لا يترك الآخر سالمًا؛ فالعقل المقموع والمثقل بالضغط قد يدفع الجسد للبحث عن مخرج سريع، عن دفءٍ مؤقت، عن تعويض لا يشبهه.
وكذلك الجسد المستنزف عاطفيًا، المعلّق على قلق دائم، يُرهق الفكر ويُربك قدرته على الفهم والاختيار، فتغدو القرارات مشوشة، ويصبح التوازن عبئًا بدل أن يكون حالة طبيعية. وهنا تتضح المفارقة الدقيقة: نشوة العقل تُبقي الإنسان متماسكًا، بينما نشوة الجسد بلا أمان قد تُربكه أو تتركه فارغًا بعد اكتمالها.
لهذا يقول كثيرون، دون أن يدركوا العمق الحقيقي لما يقولون: من أُتعب عقليًا يبحث عن دفء، ومن أُشبع فكريًا لا يحتاج إلى تعويض. لسنا في صراعٍ بين عقل وجسد، بل في بحثٍ دائم عن نقطة توازن بينهما. فحين يُلبّى الأمان في موضعه الصحيح، يتوقف الإنسان عن الركض، ويبدأ بالاختيار.
✍️ حسين عبد الله الراشد
كاتب نصوص تأملية فلسف
ية وجودية@
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .