السبت، 7 فبراير 2026

الوعي والمقاومة بقلم الراقية مونيا منيرة بنيو

 سلسلة: منطق الشعور الإنساني


المحطة الرابعة: الوعي والمقاومة


الوعي لا يأتي دائمًا بوصفه حالة استقرار،

بل يظهر أحيانًا نتيجة اضطراب عميق،

حين يبحث الإنسان عن توازن داخلي

رغم أحداث توقظه بعنف.

بعض التجارب لا تُوقظنا بلطف،

بل تقتحم الداخل فجأة،

فتحرّكنا دون وعي،

وتضغط الشعور إلى حدّ الانفجار،

كما تنفجر الأرض بينبوع ماء غير متوقّع.

هذا العنف لا يمرّ دون أثر،

إذ يدخلنا في دوامة من الألم والضغط النفسي،

إلى أن تنفجر فينا أشياء كثيرة،

قد تتجسّد في فقدان السيطرة،

أو في اضطرابات داخلية،

أو في أمراض لا نفهم مصدرها فورًا.

في هذه الحالة،

قد نقوم بتصرّفات لم نكن نعتقد يومًا أننا قادرون عليها،

لا بدافع القسوة،

بل نتيجة اختلال داخلي عميق.

فالعنف، مهما كان شكله،

لا يقود إلا إلى مزيد من الدمار،

في الذات أو في المحيط.

مع فقدان الإحساس بالراحة والأمان،

نحاول المقاومة.

نقاوم ما حدث،

ونقاوم نتائجه،

ونقاوم التغيّر الذي فُرض علينا.

بعد سلسلة من الخرابات الداخلية،

التي نتجت عن غياب الوعي،

نصل تدريجيًا إلى مرحلة الوعي.

مرحلة يتشكّل فيها الداخل من جديد،

نتيجة أحداث متراكمة

جعلتنا أكثر انتباهًا لما نشعر به.

هنا تبدأ لحظة الفهم،

لا بوصفها حلًا سهلًا،

بل بوصفها إدراكًا أعمق لما جرى.

التخلّي، أو الهروب، أو إيذاء الآخر،

في لحظات الانفعال والضغط النفسي،

ليس إلا تعبيرًا عن انفجار داخلي

أيقظ مشاعر كانت في سبات طويل.

الانفجار العنيف يغيّر طريقة تفكيرنا،

ويُخرج كل ما كان مكبوتًا،

وقد يظهر على شكل اعتراضات

أو سلوكيات رافضة للتغيّر.

يقاوم الشعور هذا التحوّل بعنف،

إلى أن يصل إلى الإرهاق.

نحاول التماسك،

ونقاوم بكل ما أوتينا من قوة،

لكن المقاومة تفقد معناها

حين ينكسر السكون الذي اعتدناه.

ذلك السكون الذي ظننّاه ثابتًا،

يتلاشى ليعيد الارتباك،

وليوقظ الوعي.

الأحداث العنيفة التي تكسر هذا السكون

هي ما تُنتج الصدمة.

والصدمة لا تكمن في الحدث ذاته،

بل في أثره حين يبلغ ذروته

ويهزم الشعور.

في هذه المرحلة،

نستنفد كل محاولاتنا:

الحزن، الانزواء، الصراخ، الرفض، الهروب.

وحين ندرك أننا نسير في طريق

لا نهاية له سوى خسارة الذات،

نبدأ بمحاولة حماية ما يمكن حمايته.

يتكوّن داخلنا وعيٌ

بضرورة ترك ما لم يعد ممكنًا حمله،

فنستفيق بعد هذه المواجهة العميقة

وقد أدركنا حدود مقاومتنا.

هنا تتشكّل اليقظة،

يقظة وُلدت من انفجار وانكسار،

ومن ألمٍ تجاوز الجسد

إلى الشعور والروح.

فألم الروح أعمق،

وأطول أثرًا.

ومع تكرار المقاومة والعناد

لما هو أكبر منا،

تُعاد صياغة المفاهيم،

لأن التعب والإرهاق

يفرضان إعادة النظر.

وهنا،

تكون بداية الفهم.

فهم لا يُنهي الألم،

لكنه يمنحه معنى.

وبعد الصدمة،

وبعد الانكسار،

وبعد إعادة تشكيل الداخل

عبر خرابات متعددة،

ندخل مرحلة الوعي،

لا بوصفها نهاية الطريق،

بل بوصفها قدرة جديدة على الفهم.


الأديبة :مونيا منيرة بنيو

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .