الخميس، 22 يناير 2026

تراتيل على عتبة العدم بقلم الراقي عاشور مرواني

 تراتيل على عتبة العدم 

سألتُ الريحَ في وادٍ سحيقٍ: أينَ الدربُ؟

قالت: في الحريقِ، حيثُ يولدُ السؤالُ ويضيءُ الدربُ.

أنا الملاّحُ في بحرِ النوايا، شراعي من خيالٍ وبريقِ،

أقلبُ في المجاهيلِ بوصَلَتِي، وأمضي بلا رفيقٍ في الطريقِ.

ركبتُ خيولَ الضوءِ لا تُجارى، أعبرُ فوقَ جفنِ المستحيقِ،

فكان الحلمُ معراجًا خفيًا يفككُ قيودَ من ظنَّ الحقيقةَ في الوثوقِ.

فأبصرتُ النجومَ حصىً صغيرًا، مبعثرةً على ثوبِ الطريقِ،

وأدركتُ اتساعَ الكونِ لما رأيتُ الضوءَ يضمُرُ في العميقِ.

رأيتُ الكونَ في كفّي فراشًا يطيرُ من الشروقِ إلى الغروبِ،

ورأيتُ العمرَ وهمًا مستعارًا، يمضي بنا ونحن بلا ندوبٍ.

فنحنُ الظلُّ في مرآةِ وهمٍ، ونحنُ الذنبُ في ثوبِ التوبةِ،

نرتلُ للخطواتِ اعترافًا، ونمضي بينَ رغبةٍ ورهبةٍ.

أيا من يطلبُ الإدراكَ، مهلاً، فالحقُّ في صمتِ القلوبِ،

وليس العلمُ إكثارًا وجدلاً، ولكن لمحةٌ بين الغيوبِ.

رأينا الفجرَ يسجدُ لليالي، وصار النورُ ممتزجًا بذوبي،

فلا ليلٌ يدومُ على سجودٍ، ولا فجرٌ يُخلَّدُ بالهربِ.

تعلّمْ من صخرٍ صبرًا، ومن جريِ الجداولِ حبَّ السعي،

كم صخرٍ تفَتَّحَ بعد حلمٍ، وكم نهرٍ تجاوزَ ألفَ طَيِّ.

فلا الأيامُ تبقي من تعالَى، ولا الأقدارُ ترحمُ جرحَ ناعي،

وكلُّ العزِّ إن لم يكن ضوءًا يصيرُ ثقلَ أسوارٍ وقاعي.

إذا شئتَ الخلودَ فكن شعاعًا يضيءُ الدربَ في ليلِ القمعِ،

فما الإنسانُ إلا نبضُ حلمٍ يموتُ لكي يفيضَ بلا دمْعٍ.

بنيتُ من الشكوكِ قصورَ علمٍ وهدمتُ اليقينَ لكي أراكَ،

فأنتَ الكلُّ مُندسًّا بجزءٍ، وأنتَ السرُّ، ما نالوا مداكَ.

غدًا نمضي، ويبقى الكونُ لغزًا يحيّرُ من مشى أو من تباكى،

فكن حرًّا كأنّ القيدَ وهمٌ، وكن حيًّا كأنّ الموتَ شاكا.

تعلمْ من صمتِ الغيمِ حلمًا، ومن جريانِ الأنهارِ انكسارًا،

فكلُّ ما نراهُ وهمٌ، وكلُّ ما نلمسهُ نورٌ يسطعُ في الأفقِ.

ارتحِلْ في ظلالِك، ولا تلتفتْ إلى ما خلفَك من أقدارٍ،

فالوجودُ مدى، واللاوجودُ مرآةٌ، والروحُ نهرٌ بلا ضفافٍ.

كن شعاعًا في الظلامِ، وكظلًّا في الفجرِ، وكصوتًا في الصمتِ،

كن نجمًا يهدي الطريقَ، وقمرًا يحرسُ الليلَ من الوحشةِ.

تذكّر: الخلودُ ليس حياةً أو موتًا، بل لحظةُ إدراكٍ مستمرٍ،

والحبُّ سرٌّ يتجاوزُ الأزمانَ، والدهشةُ هي مفتاحُ كلِّ الغيوبِ.

ركوبُ خيولِ الضوءِ لا ينتهي، والكونُ يتنفسُ معنا في كلِّ لحظةٍ،

نحنُ الوجودُ المندمجُ في الفكرةِ، والوجودُ المتمزقُ في الصمتِ.

كلُّ سؤالٍ يولدُ جوابًا، وكلُّ جوابٍ يحفرُ في صخرةِ الوعيِ،

فلنسجدْ، ولنسيرْ، ولنحلمْ، حتى يصبحَ الليلُ فجرًا بلا نهايةٍ.



الشاعر و الأديب عاشور مرواني – الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .