"حلم العنكبوت"
في هذا النص، يلتقي الوعي بالواقع مع فانتازيا الأحلام، حيث تتحرك الكائنات الرمزية والخيال في فضاءات متشابكة. العنكبوت ليس مجرد حشرة، بل رمز للأحلام الغامضة والمخاوف والذكريات التي تلتقطنا في نومنا وتعيدنا إلى ذاتنا.
حين يثقل النهار كاهلنا، ينزل العنكبوت عن شجرة الفلفل، يحمل وسادة من صوف الحديد، نصادقه ونتألم معه: كأننا نشيع الليل إلى السكينة.
⸻
حلم العنكبوت
قصيدة سردية للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 09.08.2024 | نُقّحت 21.09.2025
1
الأحلام ترافقنا كسحابةٍ تمطر كما تشتهي،
تارةً كراتِ حلوى، وتارةً أحذيةً عتيقة،
حبالٌ تلتفّ، وصرخةٌ لا يسمعها الحالم.
حيث ينسج الحلم لنفسه المستحيل،
ينشد راحته فوق أضلاعنا المسكينة.
المخيف أحيانًا يقتحم حرماتنا دون أمر أو استئذان،
كذبٌ شهيّ،
لا ندرك فيه مكانًا أو زمانًا،
ولا تشير الأحاسيس إلى وجود.
وقحّ، لا يحاسب على شيء.
نسقط في آبار الوهم، حواسنا يمتلكها غبار أو ضباب أو أي شيء ليس له أثر،
ونفيق متروكين للنسيان،
معادلة القوة… تسرقنا ونحن الطرف الضعيف.
كأننا شباك معلق بالهواء يفضي إلى الحيرة،
ويغلق بتوقيت الحلم.
2
الحلم يشارك الأسوار العالية
في إنهاك الأعصاب، يتركنا نتسلق،
وينشر غيظًا كقطنٍ من صوف الحديد.
نريد أن نسعده،
فيحتال علينا بالعجز الكامل،
حتى اللسان يخرج من أسفل البطن
مستفسرًا عن الطعام الذي ابتلعه منذ قرن من الزمان،
وقال: «مرّ وحامض.»
تحت الوسادة أو اللحاف،
عنكبوت يفترسنا ونحن نرى ونخرس.
هربتُ منه مرة،
فشعرتُ بالحنين إلى حبيبٍ يتقن الصمت،
يحمل قهوةً جبلية محمّصة،
نقضمها لنقهر الصداع ونحدّد مصير الأحلام –
ولكن العنكبوت لا يحب سوى أجسادنا بلا قهوة.
كذبٌ… لم يظهر أي حبيب.
كان العنكبوت من لبس قميصًا وربطة عنق،
شدّني إلى فمه وصار يصرخ كما يشتهي،
وأنا آخرس.
جاءتني فكرة إعداد الأحلام قبل النوم،
فقلت لعنكبوت وجدته على شجرة الفلفل:
«أرجو أن تطلعني عن نواياك.»
فالخيال لا يُستدرج إلا باليقظة،
وهذا رأيٌ صائب، ولن يورطني في حوار مظلم.
أنت والنوم في تناحر،
ولم تكترث لمشاعري في النهار.
لكنني حاولت،
فهرب العنكبوت ودخل الوسادة.
كيف لي أن أنام؟
هل أصير خيطًا؟
3
لم يحدث شيء،
ولم أجد للحلم مساحة
تكفي لأوقن أنه سيبهجني مع الصباح.
فالكذب صالحٌ على مدار العمر،
والحقيقة تتأرجح حتى تُلتقَط بلا غفوة.
قررت اقتلاع شجرة الفلفل:
لا عنكبوت، لا فلفل، ولا حلم…
فقط فراغ يلوّح لي كأنه البديل.
ضحكت: «أين أضع الفراغ؟
وأنا الفراغ.»
غسلت وجهي وفرشته على بساط من رماد.
لستُ عنقاء لأقوم من رمادي،
والاقتراب من المستحيل شجاعة صفراء.
أغويتُ النعاس ونسيت سخافة انتظار العنكبوت.
حتى وإن كانت الفريسة ذبابة،
لا تهوى سوى مضايقة البقر،
لكن في الحلم هو صاحب البقرة،
وأنا صعلوك مبتذل.
4
في زاويةٍ من العالم،
خاطبتني امرأة بألف وجه،
وكانت أسعد من أن تُوصَف.
شعرها طويل، لا، أبدًا، شعرها قصير!
والعنكبوت يرتدي بذلة حلاق ويحمل مقصًا،
وهي سعيدة.
قالت:
«لا تُحرّضني على كره القصائد،
فالحب أعمق من أن يُقال،
بقافيتين وبحر وصراع النقاد حول ما بعد الحداثة المرهونة بالعبث.»
الحب… قصيدة لا تُكتب.
ستهرب الحروف إن خرجت من قلبٍ يشتهي أن يُحمَد من العشق.
رأيت عاشقًا يدور الأرض صامتًا،
وعند عشيقته تكلم اللمس.
قلت:
«إني أشك في برائتك، هل أنت عنكبوت الفلفل؟
كم أخشى أن تظلميني
وأصير قرن فلفل معكوف.
غدًا سأشتري شجرة وأسقيها بماء وسكر،
وأعيد العنكبوت أو أعيدك أنت.
كلهم طيبون، وأنا أعمى.»
5
طلع الصباح منهمكًا بترتيب النهار،
والعنكبوت منشغلٌ ببيته
من بقايا الصراصير وأجنحة الذباب.
فتشت عن نفسي وعن المرأة ذات الألف وجه.
شعرت بالخيبة وخرجت إلى البستان.
كانت غنمة عجوز تقضم العشب بشهية،
ثم همست لجارتها:
«حلمتُ أنني كتلة جبن،
تحملني فتاة رائعة الجمال،
حتى جاء أميرٌ على حصان أسود،
وأخذني مبتسمًا لها.»
قالت الأخرى:
«حلمتُ أنني معلّقة في دكّان اللحّام،
حتى جاء أميرٌ وسيم، واشتراني لزفافه.»
إنهم يحلمون دون العنكبوت.
6
في مكانٍ آخر،
غنّى العصفور بجوار حماته،
شكرها على ما روته عن عشّاق ابنتها،
ووعد أن يطلّقها صونًا للشرف.
دفعته بقوة، وهرب،
وحيدًا كعاشق أحمق وثرثار.
لحق به عنكبوت وقال:
«كان عليك أن تخرس، كيف لك أن تطلق؟
هل أنت في حلم قبيح؟»
ضحك النمل وهو يفتّش مسارات
تنتهي على شاطئ ترتاده الصبايا للاغتسال.
مضى ببطء، لكن رؤية الصبايا الخارجات من البحر
كانت لوحة بديعة.
حتى النمل أدرك أن الجمال غاية.
كيف يطلق العصفور في وضح النهار؟
7
أما أنا، فرُبما أمضي العمر مرسومًا
على هيئة إنسان يحمل عواطفَ كجلد الضفادع،
أحكّها بجذوع الأشجار
أو بأرصفةٍ متروكة للخائبين.
ثم أستنفر، وأستغفر،
وأتذكّر أنه لا فرق بيني وبين ما يشبه الأحلام.
لكنني صرتُ أفضل العيش في بطن الحوت،
وفي صحبة العنكبوت
لأظل بلا وعي بمكاني.
الفلاسفة مرّوا يحملون كتبًا مبهمة،
صفحاتها تتقاتل والحروف تنزف.
والشعراء مرّوا بلا دفاتر،
والأقلام تصرخ: «كيف نبدأ السطر؟»
والناس تعبّدت دون قراءة ما يزيد السعادة.
هراءٌ، في الحلم هراءٌ مُعلَّل،
وفي اليقظة هراءٌ معلول.
من وعد الناس بالحب ثم هرب؟
هل سندخل مدافن الورد ونحن نتزاحم؟
نتقاتل، نتحايل،
نلوي عنق المحبة،
حتى يطفح الألم على وجوهنا؟
8
هل يعلم أحدنا من هو الأشد سعادة؟
سنمضي كما مضى الإنسان الأول،
في دهاليز المتاهات، نحمل رمحًا وسيفًا وأرنبًا،
ووجهًا متفائلًا بقدوم الظلام،
حين تختفي الشمس،
ويختفي معها كلّ من ظنّ أن له الحق أن يفترس.
صحوتُ كأني كنت في صندوق باندورا.
الكل يطالبني بنبذ الحلم.
حتى العنكبوت كان يعد إفطارًا شهيًا،
تركه وصرخ: «من أيقظك؟»
والنمل الذي زار الشاطئ
هرب من تحت وسادتي
وكأنه خرج من السجن.
فقدتُ وجهي… فانبثق ظلٌّ غامض،
خلف المرأة ذات الألف وجه،
كأنه يترصّد الحلم واليقظة معًا.
أفقتُ… ولم ترحل،
ظنّت أنني العاشق، ولم ألمسها.
فقالت بغضبٍ: لا تنم وأنت عارٍ من الأحلام!
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .