الجمعة، 5 سبتمبر 2025

نتمزق بقلم الراقي طاهر عرابي

 “نتمزق”

في هذه القصيدة، أغوص في استكشاف حالة التشتت والتشظي الداخلي، مستخدمًا صورًا مألوفة تتكرر في الحياة اليومية، مثل القهوة والمرايا.

ينسج النص رحلة عميقة في الذات والوجود، ويطرح تساؤلات حول الفهم والتواصل، ويعكس الألم الناتج عن الصراع بين ما نشتهي وما هو موجود.

نرحب بالوهم، ونلوذ بفراغ مؤلم.



نتمزق


قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – 11.07.2024| نُقّحت 05.09.2025


مرسومون على وجه المرايا كما نشتهي،

ونبتسم ببلاهة لجمالنا المحيّر.

لم نعد نسأل المرايا،

فقد صارت تكذب لتتحاشى وقوفنا الممل.

سنجعلها تكذب ونحن راضون.


نخرج ونخاف الطرقات،

فهي أصدق من توجس المرايا.

سنرى من يلتفت إلى وجوهنا،

ونخجل إن قلنا كنا أجمل قبل قليل.

نواجه النهار، وفي طياته مرايا تُفكّر،

إنها أول حقيقة نملكها بلا منازع،

حتى لو بقيت سرية.


نطمئن بعد سماع قطرات القهوة،

تحمل الماء الأسود وتبثّ رائحة وجودنا.

ماذا لو كانت رائحة القهوة مثل رائحة الماء؟

لن نحتفل بالهواء الشفاف، ولا بالقهوة ذات الرائحة السرية،

وسيبقى البعد عن السعادة مجهولًا.


حتى مع القهوة وأمام المرآة،

أحاول التشبث بالمعطيات،

فلدي قهوتي برائحة رائعة،

ونهاري يخاصمني لأتفه الأسباب،

يسمونه القلق الباطني المغطّى بإرادة الوهم.


كم مرة تمنّينا لو أن لون القهوة برتقالي أو بنفسجي يليق بنا،

لنمزج الصباح برطوبة المرح،

ونقول أشياء تثير نقاشًا حول الملل المقدّس.

شربت اليوم قهوة بنفسجية،

صار لنا فناجين ملوّنة لنسكب فيها قهوة سوداء،

ونشرب، وأملنا ألا تغضب القهوة،

أملنا في الصداقة لأسهل الأشياء.


همومنا تشغلنا ونحن نخترع المزيد،

ونتذكر صبغة الشعر في مجلات الأزياء.

كل الهموم في رحلة النهار منسّقة،

حتى ربط العنق تمّ بحذر،

وأنتظر مفاجأة، فلدي ما يكفي من الشكوك.


سيدة على المحطة، حقيبتها جلدية صفراء،

لوّنتها هربًا من العجول الشاردة.

سيتذكرون أخيهم العجل المذبوح ولونه الأسود،

أما اللون الأصفر فلا دليل.

أنا لا أعرفها، ولا أعرف أي طريق ستسلكه،

وأملي أن ترافقني في الطريق.


كانت سيدة جميلة، منديل برتقالي كزينة للعنق،

وربما لم تشرب قهوة،

وجهها يلمع من شدة البهجة الدفينة.

هذا هو الاتزان الذي أعشقه.

لن أكلمها عن المرايا أو صبغات الشعر،

ولكن من حقي أن أسألها:

أي قهوة تشربين؟ وما لون الفنجان؟


لقد هدرت وقتي في النظر إلى المرآة هذا الصباح،

ولم يتغير شيء.

كان عليّ اختيار مزيج آخر من حبات القهوة،

لأحصل على نفس اتزانها وبهاء قوامها المُحصّن بالكبرياء.


سألت: هل شربتِ قهوة ونظرتِ إلى المرآة؟

هل تبدلين ألوان الفناجين حسب توقعات النهار؟

شعرك الأسود يليق بهيبتك،

أرجوك لا تصبغيه مثل المجلات باللون الأخضر.

وكما تعلمين، كل الفلاحين فقراء،

ولكن طعم القهوة يبعث السعادة للجميع.


نسخوا من العطاء ، ونشرب القهوة بفناجين زرقاء،

ونظن أنّ شيئًا ما سيبارك لنا غطرستنا.

أعتقد أن هناك ناسًا لا ينظرون إلى المرايا ويبدعون.

ربطة حذائك دقيقة وبسيطة،

وكلنا نفعل نفس الأشياء في الصباح،

ولكن الفرق واضح: أنا أشد قسوة في متابعة التفاصيل.


نظرت إلى وجهي وأخرجت منديلًا برتقالي اللون،

وقالت: غطِّ فنجان قهوتك، وأرح نفسك،

فلا خيار لدى القهوة سوى السواد.

أرح نفسك من تعب الجنون،

حتى لو كنت لا أعرفك.

بهجتنا في صمت الوجود،

سنكون مبتذلين طيلة الوقت،

حتى نحصل على رصيف خالٍ من عيوب الانتظار.


كنت أظن أني أكذب… نعم، أكذب.

لدي مرايا محدبة ووجه مسطح.


طاهر عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .