الاثنين، 15 سبتمبر 2025

في متحف الرسائل بقلم الراقي سيد حميد عطا الله

 في متحفِ الرسائل

بقلم : سيد حميد عطاالله الجزائري 


في متحف البريد، يجلس الغبار كأمين سرّ أبدي، يوقّع على الرسائل القديمة بختم العناكب. هناك، الحروف مكبّلة بأختام شمعية حمراء، تحاول أن تصرخ لكنها تنسى صوتها منذ قرون. المظاريف متيبسة، كجلود محنطة، تحمل عطر أخبار انتحرت وهي تحلم بالوصول. كأنها تعويذة سحرية خرجت من زمن لم يعد أحد يتذكّر لغته.


ذلك المظروف الذي يلف الرسالة بداخله كطفل لم يولد، إذ تحول إلى قبر صغير ينتظر القيامة ليخرج كي يبرّد قلبًا تكسر منذ النشأة الأولى.


والكلماتُ التي تنبئ عن رعشة يد ومحوٍ هناك في جملة خجولة،

صامتة تنظر متى تصل إلى ذويها 

الذين هيؤوا سطورا في قلوبهم؛ كي يخطّوا ما حملته تلك الكلمات المتكسرة،

وإذا مسحت التراب بإبهامك سترى دمعة هنا، شعرة نصفها بيضاء ،

خفقةَ قلب كأنها نقطةٌ تحت باء مكسورة، وتستشعر أن القلم كان مرتبكًا في يد باغتها الزمن فما من حيلة إلا أن يكون ساعي البريد ذاك النبي الذي يحمل الرسالة.


وفي الخارج، تتبختر الرسائل الإلكترونية، تركض بأقدام ضوئية عبر كابلات خفية، تضحك بوقاحة على عجائز الورق. تقول لها: "كم أنتِ بطيئة! لو كنتِ فرساً لعجزت عن اللحاق حتى بعكاز كهل!"، ثم تبرق في الهواء كما لو كانت نيزكاً يعانق الأرض قبل أن يفكر البشر برغباتهم.


أما ساعي البريد المسكين، فيبدو كأثر متحرك، يقود دراجته الهوائية في شوارع لا تعيره التفاتة. حقيبته المعلقة كتفاحة صدئة، تحمل رسائل تعلم يقيناً أنها ماتت قبل أن تولد. الكلمات بداخلها تتثاءب، تترنح كأشخاص خرجوا من كهف مظلم ووجدوا أن العالم تغيّر.


تخيل رسالة حب تبدأ بـ"انتظريني، سأعود" تصل بعد عشرة أعوام، تجد الباب مغلقاً والنافذة محصّنة بضحكات أطفال ثلاثة لا يعرفون شيئاً عن هذا الغريب. تقف الرسالة على العتبة مرتبكة، كضيف متأخر إلى مأدبة لم يعد لها طعام ولا مقاعد.


وفي لحظة ساخرة، يظن الورق أنه يملك وقار الملوك، بينما الحقيقة أنه أصبح متحفاً متنقلاً في جيب موظف البريد. والحب نفسه، الذي كان يكتب على الورق بشغف، صار اليوم يُرسل برموز تعبيرية: قلب أحمر، وردة صفراء، إشارة إبهام مرفوعة. كل شيء اختُصر إلى أيقونة بلا عرق ولا دموع.


إنه عصر لم يعد فيه البريد ورقاً ولا البريد ساعياً، بل صار صاعقة إلكترونية تنقلك من الحنين إلى الملل في ثانية واحدة. ومع ذلك، يظل لمغلف أصفر قديم قدرة على كسر قلبك، لأنه يحمل خيبة انتظار لم يعرفها أي بريد إلكتروني مهما كان سريعاً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .