الاثنين، 22 سبتمبر 2025

حبل الغسيل بقلم الراقي طاهر عرابي

"حبل الغسيل"


في عالمٍ مزدحمٍ بالصخب واللامبالاة، قد يبدو حبلُ الغسيل تفصيلًا هامشيًا في حياةٍ عابرة.

لكنني، كما أؤمن دومًا، تحت وطأة الأشياء الصغيرة تُقال أعظم الحقائق.

في هذه القصيدة، حاولت أن أمنح الحياةَ لصمت الأشياء، أن أخلق مشهدًا يفيض بالمشاعر والرموز،

وأستخرج من اليوميّ درسًا عن الوفاء، والألم، والأمل.

نظنّ أنّ الأشياء من حولنا صامتة، والحقيقة أنّنا نحن من نُخرسها دون أدنى رأفة.



حبل الغسيل

قصيدة سرديّة للشاعر والمهندس طاهر عرابي

دريسدن – 12.09.2024 | نُقّحت 23.09.2025


1


حبلُ الغسيل يتألّم،

بلسانٍ مجدولٍ على خيوطه،

يتلعثم بلغةٍ لم يُصغِ إليها أحد.

علّقوا عليه ملابسَهم تقطر ماءً،

تفوح برائحة الصابون المعطَّر،

وانتظروا الشمس.


أيُّ شمس؟

والمساء هبط، والليل طويل.


قال الحبل ساخرًا من بلاهة البشر،

وأقام صلاته متدلّيًا بين شجرتين،

كأنّه ثمرة أنضجها الوجود

ليجادل بها عبثه.


ناجى الغيم أن يرحل إلى دياره،

لعلّه يلقى أسدًا يزأر عطشًا،

فيسقيه بدل الملابس الخرساء.

الشفقة لا تتردّد في الدخول إلى عالم

غابت عنه العيون.


2


استأنس بضياء النجوم،

وتمنّى أن تهبّ الريح قبل الفجر…

فالريح لا تعبأ بالشمس،

ولا يعنيها ماء الملابس،

إنما تُحوِّل القطرات إلى قطنٍ شفاف،

وتحملها إلى الغيوم.


ضاج الحبل مقهورًا قبل الصباح.

الهواء رطب، والسماء مثقلة،

والحِمل يزداد،

لا جفاف يُرتجى، وكلّ شيء يرزح في عبث الحيرة.


حتى الشجرتان همستا:

«إلى أين يشدّنا هذا الحبل؟

أرهقه السكون،

ونحن لا نعلم

كم من شقاءٍ يجوب الكون يمتحن الصمود،

ويبقى متخفيًا في أصداف القلق.»


همس لنفسه:

لا جدوى من البحث عن الشمس،

فالشرق مغطّى بسُحبٍ رمادية،

والسماء ترزح تحت غيظ الطيور،

وهي تبحث عن فندقٍ كثيف الورق.


الكلّ ينأى عن الوداد،

وتتشتّت الأشياء إن فقدت خيطها الحنون.


بكى الحبل، حبس أنفاسه،

وشعر أنّ صلاته لم تبلغ حلمه.

أيُّ صلاةٍ تبلغ مُلبّيها

والمخلوقات كلّها تتزاحم تحت غطاء الوحدة؟


3


مدَّ الحبل وجهه من بين طيّات الغسيل.

شيء ما يحدث في السماء:

مصباح نجم تعطّل، وانطفأ نورُه عن جيرانه،

فقالوا: «لن يكون لنا فرح.»


قُبَّتُنا عَوراء، والبكاء وقودٌ لا يُضيء.

تَعالوا نقتربْ منها، فالقُربُ ضوءٌ

يُغطّي ثغرات البقاء.


وقال القمر:

«دعوني أحفظ مواقعكم في السماء،

فالفراغ متَّهَم، بليد، أخشى أن نُحاسَب على نسيان الولاء.»


امتلأ الحبل بالضيق.

كيف يرتقون ثقبًا

وأنا أتذلّل دون مشاعر الغسيل؟


أفرغ غضبه في الغسيل:

«بالنسبة لكم،

لا يهمّ أن تناشدوا شيئًا.

لا شمس تعيد لألوانكم بريقها،

ولا مطر يمنحكم وقتًا لتبقوا معلّقين.

لكن أذكّركم:

إن هبّت الرياح سترحلون،

وتُلقَون في أماكن لا أعلم كيف تكون.

صلّوا معي للشمس… أرجوكم.»


سمع الحبل ضحكات قوية،

وأدرك أنّ الغسيل يهزأ منه.


قال بغضب:

«ماذا لو تألّمنا معًا؟

أليس لي أن أتألّم معكم؟

أنا دونكم أبقى،

لي شجرتان تحتملان سخائي.

أمّا أنتم، لو تعلمون حقيقتكم،

ستصبحون خِرَقًا بالية.


الخيانة تبدأ حيث يموت الاكتراث.

تضحكون… وهذا أعنف جوابٍ للرجاء.

إن سقطتم وتدنّستم بالأوساخ،

تعودون إلى الوعاء؛

تُغرقون بالماء والصابون،

وتُعلَّقون من جديد بلا أملٍ في غير طريقي.

يا حسرةً على من يعادي البقاء!»


همس فستان صغير:

«لو علمتم ما في داخلي لبقيتم صامتين.

سأصلّي، لكني لا أستطيع البقاء طويلًا.

كم أنا محبوبة لدى عنود الصغيرة!

سمعتُها تعدّني للمدرسة،

واثقة أني سأجفّ.

أرجوكم… ساعدوني؛

إنني مُلزَم بالوفاء.»


4


كان زوج حمامٍ يستمتع بالحوار.

كيف يخيبون رجاء الحبل وهم معلَّقون على كتفه؟

إن كان للوقاحة تعريف، فهو إنكار الغسيل لفضل الحبل.


طارا نحو الفستان،

حرّكا الهواء من حوله حتى جفّ،

ثم حملاه إلى الفتاة الغافية،

وألقياه برفق على صدرها،

وعادا ليُخبرا الجميع أن للصباح بشرى.


اهتزّ الحبل برقصة الملابس،

فقال الحمام:

«السعادة تكمن في إبقاء السعادة.

السعادة تُصنَع…

ولا تُنبت تحت غطاءٍ مخنوق.»


5


كانوا قبلنا يبحثون عن اكتمال البهجة فينا،

وجئنا على ترانيم الوداع،

فقبلناها، ومضينا لنسلّم الوديعة.


لم نتعلّم شيئًا أقوى من يقيننا بأننا ماضون،

وأنّ علينا أن نرى أجمل الطرق في هذا الأفق المشحون بالمفاجآت،

وبرغبة الحياة في أن نبقى على الحب…


سهرتُ ليلي ورأيتُ نجمًا ينطفئ،

لكنّه باقٍ تضيئه النجوم.

لولا الحمام، ما ابتسمت لنا عنود،

إنّه الإدراك… يكفي حُلمًا نحبّه باليقظة.


طاهر عرابي – دريسدن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .