"حين ينبت المطر وسائد"
أنا لا أكتب لأقدّم أجوبة، بل لأفتح جروحًا في الأسئلة.
قصيدتي ليست حكاية ولا خطابًا، بل بحثٌ عن المعنى وسط العبث، عن حدود الجشع في الغابة، وعن الذين لا يكتفون بماء البحر ولا برمال الأرض، الذين يفتّشون عن تكسير القيم ونبش قبور الأحياء، وعن خيطٍ يلمّ قميصًا تمزّق في أيدينا.
قد ترى الصور غرابة، وقد تظنّها أحلامًا مشوّشة… لكنها وجهي الآخر حين أواجه موتًا لا يشبه موتًا، وعبثًا لا يشبه لعبًا.
هذا نصّي لأقول: نحن لسنا وحدنا، حتى وإن بدا كل شيء صامتًا.
بين المطر والصوف، بين الصمت والخرس، يولد نصّ يتساءل عن الحرية والوجود…
⸻
حين ينبت المطر وسائد
قصيدة للشاعر والمهندس طاهر عرابي
دريسدن – 07.09.2025
لستَ وحدك في هذا الموت،
يزرعون توابيتك قبل أوانك،
ويشيّعون ميلادًا مفقودًا،
كحجرٍ تزحلق في النهر،
وارتمى على ضفاف الغربة مقتولًا…
يواصل الحياةَ في صمتٍ لا يبوح بالصبر.
من يذكرك في عالمٍ
ينتظر الحكمةَ من تكوّن الطبيعة؟
هجروك، فلا تظنّهم بانتظارك،
هجروك، وأقاموا أسوارًا
تطوّق الأبعاد الأربعة… وبعد القيم.
نستكثرُ على أنفسنا روعةَ الانتماء،
نضحك ربع العمر،
نحزن نصفه،
ونُهدي ما تبقّى للعبث،
وهو أجمل الأرباع:
يحركنا مثل زعانف سمكة،
رأسُها ضخم… ولا عقل يمنحها السكينة.
أيُّ بحرٍ يغرقنا؟
أيُّ مرجانٍ منسيّ يلتقطنا؟
هل يدفننا الرملُ ويغطّينا المحار؟
ولا نعترف… ولو أمطرت الغيمة في الفضاء،
ونزل المطر صوفًا أبيض.
هل ينبت الزرع على الصوف،
أم ينبت المطر وسائدَ ننام عليها بعذر؟
أردنا قمحًا وبستانَ سمسم،
فأمطرتنا الغيمة صوفًا… وقالوا: هذه سعادتكم.
سألتُ شاعر السوداوية،
فوجدته يخشى شاعر البياض.
وشاعر العبثية تركوه يلهو
ببنفسجٍ مثقوب… كمصفاة شوائب.
يا لها من مصيبة
تمهّد للشقاء.
انقسم القلم:
سوداوي، بلّوري، عبثي،
وربعٌ أخير مشرّدٌ يبحث عن ورق.
أما أنا… فلا أتفق معهم،
وما زلت أبحث عن نفسي.
كيف أصل إلى محطة معلقة على خيط عنكبوت؟
يلقون عليك اللحاف إن بردت،
ويلقونه إن صببت عرقًا،
ولا يسألونك: كيف تجد السخاء إن طُعّم بالجهل؟
تلف النهار القادم…
هل أُتّهم بالضياع؟
إن بتُّ ليلي عاريًا تحت مزراب الماء…
لكنني حر.
ما أجملنا إن رفضنا العبث،
فلا ألم يوازي جحيم التفاهات،
وانقضاء الأجل في صرخة الميلاد.
فلنضع في تفاحةٍ حزمةَ يأسٍ وأخرى من ألم،
من يأكلها يصير أسطورة،
كالأفعى الشوكية:
تبتلع اللحم،
توخز العظم،
وتنهض كلما همس الوجود.
نعرفها، ونفر منها… بلا يأس ولا ألم.
قررت أن أخرس.
الفرق بين الصمت والخرس واضح:
في الصمت يبقى عالمك،
وفي الخرس تُمحى،
كسطرٍ لم يكتمل بعد.
لم أعد أرى في ثقافة الكلام جدوى،
حتى الصمت صار عارًا مقنّعًا،
والكلام ضاع في عصر ما بعد الحقيقة.
رأيتُ رجلًا يمشي وحيدًا في الغابة،
يريد أن يرسم حدود مملكته،
يحمل أوتادًا خشبية…
مشى عشرين سنة، وأكل الأعشاب من لهفته.
تسوست الأوتاد في يديه.
ولم يجد حدودًا للجشع.
مات، وتحت إبطه علم
ترسمه الأفعى الشوكية.
من نحن…
حين نوقد لهيبنا حتى في الماء؟
لننتصر على الوهم.
نزيف فقاعات الصابون،
لنزيّن ممالك بائدة.
ندخل الخيط في ثقب الإبرة…
ونخرجه، لكي لا نخيط.
قميصٌ يجمع الصدر والأكمام،
يصرخ: يا خيط، اجمعني!
لكن الإبرة تخرسه،
فيخرج عاريًا من الخيط.
طاهر عرابي – دريسدن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .